من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 17 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | خامسًا | الأخلاق

jesus-and-adulteress-woman

الأخلاق من الأسس الخادعة جداً في مقايس الميلاد الثاني، فكثيرون حين يقيمون علاقتهم مع الرب وولادتهم منه، ينظرون لمستوي أخلاقياتهم، وبناءٍ عليه يحكمون: هل أنا في المسيح أم لا، ونظراً لأن بحر كمال الأخلاق واسع ولا حدود له، فتكون نتيجة ذلك التقييم إن كنا أمناء هي الإحباط والشعور أننا لسنا في المسيح لأن أخلاقنا معيوبة، وإن كنا غير أمناء تكون النتيجة هي الشعور بالبر إن كانت أخلاقنا عالية (من وجهة نظرنا).

قد تفاجأ إذا عرفت أن غاية المسيحية ليست الأخلاق!! بل نوال الحياة الجديدة التي تجعلنا صورة المسيح، فالأخلاق والسلوكيات تنمو كنتيجة لذلك، ونتيجة فرعية قد تأخذ وقت بسبب الخلفية والظروف وأمور كثيرة. لكن الهدف الأساسي للمسيحية هو تغيير القلب وتوجهاته لكي يكون بالقلب أحشاء لا يمتلكها أصحاب أرفع الأخلاق، وفتح عيون الكيان لكي تري بالإيمان ما لا يراه أكثر الخلوقين في العالم.

قد يكون مجتمعنا أسقط علي المسيحية فكرة كون الأخلاق محور القضية ومحور ومقياس دخول “الجنة والنار” ، لكننا لو اقتربنا لوجدنا أن شعوب كثيرة تحظي بأخلاق رائعة لمجرد كونها تربت على ذلك، وإذا دققت النظر ستجد أنهم يحملون قصور أخلاقي في نقط اخري، فمثلاً الشعوب الأوربية على مستوي عالي جداً في الصدق وعدم الكذب واستقامة الكلام، بينما المجتمع به الكثير من الإباحية الجنسية التي يروها كأمر عادي، وعلى النقيض، المجتمعات الشرقية من السهل عليها جداً الكذب والالتواء في الكلام ولا تراه مشكلة، بينما الإباحية الجنسية خط أحمر.

أكبر درس تعلمته من خلال معرفة شخص بوذي في الخمسينات من عمره في دبي…كانت اخلاقه أحسن مني ومن مسيحيين كثيرين ومسلمين كثيرين، اصابني بالارتباك واصاب صديق اخر مؤمن بالرب بنفس الارتباك، فقد كان كلانا يعرفه… لكن بمعرفته والاقتراب منه أكثر وجدنا امر مختلف تماماً، أنه تائه…غير مشبع بالحب…غير مدرك لمعني هدف حياته… ولا يقدر على التضحية ألا بصورة محدودة جداً. وهو شبه مجبر من أخلاقه لا فرح ببذله.

وحتى حين اقتربنا من أخلاقه العالية التي تربي عليها وجدنا جزء كبير منها هدفه اناني (أخلاق جيدة تعود عليك بمنافع)، فأتذكر مرة أني كنت معه في سيارة يقودها صديقي المؤمن بالرب، وقد خالف قائد سيارة اخري قواعد المرور وأنفعل صديقي، فنصح ذلك الأخ البوذي ذو الأخلاق العالية صديقي بألا يثور أثناء القيادة على أخطاء غيره، وكان السبب الذي أعطاه لنا هو: ستغضب أنت وتخسر هدوء أعصابك، وهو لن يتغير… دعك منه وكن هادئ، فأعصابك أهم!!

لقد تكلمت يومها أنا وصديقي المؤمن، وكان واضحًا لنا أن دوافعه في أخلاقه هي ذاته، فهو لا يلتمس العذر مثلًا للآخرين أو يشفق عليهم… كلا… هو يحاول بقدر الإمكان تحصين نفسه وحمايتها!! قارن ذلك السلوك الأخلاقي الذي يبدو في ظاهره نقي، بموقف تعرضت له أنا وكثير من المؤمنين شاركوني به، حين يكونوا في بداية حياتهم مع الرب وبداية فرحهم بالإيمان بالمخلص، وفي المواصلات العامة يجدوا قلوبهم تئن على من حولهم الذين لا يعرفون المسيح… ويذهبوا حزانى ومتألمين مشغولين البال لأجل الأخرين.

ولنا هنا وقفة هامة: قارن أحشاء من هو في بداية الإيمان نحو من حوله، بأحشاء صديقنا البوذي نحو الاخرين، المؤمن حديث الإيمان قد يكون مقيداً بخطايا كثيرة بسبب طبيعته العتيقة التي ماتت لكنها لم تفني، لكنه قدر أن يخرج خارج ذاته ويئن نحو الآخرين، بينما صديقنا البوذي الذي تربي على أخلاق عالية جعلته لا يقع في خطايا حديثي الإيمان، لكنه غارق حتى النخاع في محورية ذاته وسطوتها على سلوكه وتملك ابسط تصرفاته والأهم أنه لا يدري.

نعم… ستجد أن أحشاء طفل في الإيمان أكثر نقاء وسمواً بما لا يقاس من أحشاء الصديق البوذي الذي بعد خمسين عاماً من الحياة الأخلاقية مازال متمحور حول ذاته، بينما المؤمن الحقيقي نجح المسيح في إعطائه احشاء نقيه، وإن اخذ تغيير أخلاقه الظاهرية وقتا طويلاً… نعم… المؤمن الحقيقي ليس كاملاً لكنه ينمو في المسيح… في المحبة… في الشبع.. في معرفه رسالته.. في الحكمة والنعمة…في البذل لأجل الآخرين.. وينمو في الأخلاق أيضًا لكن ليس بنفس طريقته صديقنا البوذي الغير مؤمن ولا بنفس توجهاته.

وهكذا تعلمت أنا وصديقي درس هام، وهي أن الأخلاق كثيرا ما تكون أمر خادع ومضل، وتذكرت أني في فترات المدرسة الثانوية (كنت لا اعرف المسيح) كانت أخلاقي جيدة مقارنة بمن حولي، لكن الحقيقة التي لا يعلمها أحد أنى كنت اشتهي أن أكون مثلهم لكنهم كانوا أكثر جرأة مني، كانت أخلاقي الظاهرة خلفها مشكلة وليس نقاء قلبي، كانت أخلاقي الظاهرة وليد عجز وخوف وليس صلاح داخلي، وعرفت لاحقاً أننا كنا كلنا فاسدين، أصحاب الاخلاق العالية في مدرستنا، أو من كنا ندعوهم اشقياء، كلنا سواء نموذجي الابن الضال والأكبر؟

أنظر لشخصيات كتابية من النظرة الأخلاقية وستجد أمر مختلف عما لقنه لنا المجتمع بل وربما الكنيسة، أمر مختلف عما اعتبرناه دون أن ندري فكر الله، لقد تعمد الكتاب المقدس ذكر ضعفات وسقطات لرجال الله على عكس أديان أخري ترسمهم معصومين لا يخطئون وليس عندهم مشاكل، وذلك لي يعطينا الرب رسالة أنا الأخلاق بمفهومنا ليست مقياساً[1].

أن أصحاح أبطال الإيمان (عب 11) به كثيرون لهم انحرافات أخلاقية لكنهم كانوا ينموا في النعمة والقامة لأنهم كانوا أبناء الله ويسيرون في طريقه[2]، نعم لقد كان كثير من أبطال الإيمان ورجال الله في الكتاب المقدس عندهم مشاكل أخلاقية ضخمة، شمشون كان مقيد عاطفياً، وكذلك سليمان، إبراهيم أبو الإيمان باع زوجته مرتين وتركها لرجال آخرين، راحاب زانية، يعقوب ملتوي وفاشل في تربية أولاده.

لقد كان لداود سلوك غير سليم مع النساء، فبالإضافة إلى حادث الزني مع بتشبع (وهو بالأدق اغتصاب) وقتل زوجها، كان داود يتزوج تقريبًا كل امرأة يقابلها، لقد أكثر الزوجات وخرج أغلب أولاده منفلتين، لقد كانت عنده مشكلة أخلاقية وقصور، وعلى النقيض كان شاول ليس له أي توجه غير منضبط نحو النساء، بل وكان ابنه يوناثان قديسًا نقيًا، وعلى الرغم من هذا يري الله داود بحسب قلبه، ويرفض قلب شاول، والسبب هو توجه القلب.

فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ. لأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ, وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ». (1صم 16 : 7)

مواقف ربما بمقاييس البشر نصدر حكم أنهم أشرار وفاسدين، لكن قصة حياتهم ووضع سقطاتهم في سياقها ورؤية عمل الله لهم تقول أمر مختلف تماماً[3].

في الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور ديسيوس (249 – 251)، إذ فشل أحد الولاة الوثنيين في أن يثنى شاباً قبطياً عن ايمانه، سلمه لاحدي الباغيات (الساقطة) لتسقطه في الخطية. واذ لم تجد تلك المرأة وسيلة لتحقيق غرضها، ربطوا الشاب (جسمه و يديه و رجليه) بسرير – ثم أخذت المرأة تقوم بوسائلها السمجة لإثارته… و إذ لم يجد الشاب وسيلة للهرب من هذا الشر، وخاف على طهارته من أن تتدنس، قضم على لسانه بأسنانه، و بصقه ومعه سيل من الدماء في وجهها… واذ تملكها الرعب من هول ما حدث، هربت، أما هو فحفظ طهارته [4] .

هات أرقي الناس أخلاقاً في التاريخ البشري وضعهم في هذا الموقف، وتخيل ما أقصى ما سيفعلونه؟ ستجده لن يتعدى محاولة عدم التجاوب مع تلك الفتاه، وطلب التماس العذر من الله لأنه مقيد. كلام منطقي.

لكن رد فعل ذلك الشاب هو ببساطة رد فعل المسيح نفسه، لقد سما فوق كل مقاييس الاخلاق البشرية المنطقية، يبدو أن المسيح كان متصور فيه بصوة قوية حتى أنه أدرك أن أعضائه أعضاء المسيح بحق وليس كلام، بحث عن أي وسيلة يوقف بها ذلك، لا أعلم كيف خسر لسانه للأبد وتحمل الألم الشديد إلا إن كان يري ما لا يُري.

ساعتها تعلمت أن القضية ليست أخلاق ولا هدف العلاقة مع الله أخلاق. فحين يحل المسيح تسموا الاخلاق وترتفع تدريجيًا لما هو فوق كل عقل ومنطق، لتعانق السماويات بما لا يقاس، سواء من جهة الدافع القلبي أو النتيجة في شكل الحياة.

ليست تلك المقالة دعوة للانفلات الأخلاقي، لكنها دعوة لمعرفة أن حلول المسيح الحقيقي ينشئ اخلاق، لكنها بدوافع اصيلة وحقيقية ونقية، وليس لها أي علاقة بالأخلاق الطبيعية في جوهرها حتى لو اشتركت في مظهرها، فلا نضل، وندع المسيح يجدد قلوبنا فتثمر حياتنا اخلاق المسيح نفسه فينا.

 

Romany Joseph
1st December 2013

 لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا



[1]  إن فقرات الكتاب المقدس وأبرزها الموعظة على الجبل، توضح المثل الأخلاقية النبيلة، اعط كل من يطلب منك، احبوا اعدائكم، لا تشته، لا تكره، اغفر دائمًا، رحبوا بالاضطهاد، التي تتحطم علي صخرة الواقع المظلم للسلوك البشري الحقيقي.

كنت أشعر بتوتر شديد مستمر لا يمكن تفسيره بسبب مجلات الفشل المسيحية، بصفتي صحافيًا، راقبت عن كثب العيوب المذهلة والتافهة للقادة الروحين البارزين التي لم ينكشف الكثير منها علنًا، وعندما أقرر أن أكتب عن نفسي بدلاً من الكتابة عن الآخرين، سرعان ما أكتشف أني أكتب القواعد الروحية أفضل بكثير من ممارستي لها، هل نحن مدعوون للسعي في مثل عليا لا يمكن الوصول إليها البتة؟

بالكاد نجوت –  فيليب يانسي – ص 155

[2]  أفهم الآن بصورة أفضل الضغوطات التي واجهت مارتن لوثر كينج في مرحلة الرشد، كلها ضغوطات ساهمت بكل تأكيد بإخفاقه، قُدمت نقاط الضعف الأخلاقية لدي كينج عذراً ملائمًا لكل من يريد أن يتجنب رسالته، وبسبب نقاط الضعف هذه، لا يزال بعض المسيحيين يشكوا في أصاله إيمانه (قد يرغب المسيحيين في مراجعة قائمة الأشخاص البارزين المعروفين بإيمانهم في عبرانيين 11، وهي قائمة تتضمن أشخاص منحرفين أخلاقياً مثل نوح وإبراهيم ويعقوب وراحاب وشمشون وداود) لقد رفضته في ما مضي بكل تأكيد ، لكني الآن لا أكاد اقرأ صفحة من حياة كينج أو فقرة من خطبه دون أن أشعر بمركزية إيمانه المسيحي

بالكاد نجوت –  فيليب يانسي – ص 32

[3]   انتقدني، أنا أفعل ذلك بنفسي، ولكن انتقدني انا بدلا من انتقاد الطريق الذي اتبعه والذي اشير أليه عندما يسألني أي إنسان عن مكان وجودك بحسب اعتقادي، إذ كنت أعرف طريق الوصول إلى البيت وانا أسير فيه في حالة سكر، هل يصير الطريق صحيحاً بدرجة أقل لمجرد أني أترنح من جانب لآخر؟ إن لم يكن هو الطريق الصحيح، إذاً أرني طريقا آخر، لكن إذا ترنحت وأضعت الطريق، عليك أن تساعدني، يجب أن تبقيني على الطريق الصحيح، كما أني على استعداد لمؤازرتك. لا تجعلني أتوه، ولا تفرح لأني اضعت الطريق، لا تصرخ بفرح “أنظر إليه: قال أنه ذاهب إلي البيت لكن ها هو يزحف في مستنقع”، كلا.. لا تشعر بالرضا والشرور لكن قدم لي مساعدتك ومؤازرتك.

من أقوال لأديب الروسي ليو تولستوي عن حياته – بالكاد نجوت – ص 167 – فيليب يانسي

[4]  كتاب الاستشهاد في المسيحية – الأنبا يؤانس – ص 64

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 17 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | خامسًا | الأخلاق

  1. randa ramzy says:

    فعلا ما ابعد احكامه عن الفحص !!!!!!!!!!! مقايس الله غريبة والمقال بياكد على الفرق بين الاخلاق والمسيحية اشكرك وربنا ينميك فى الحكمة والنعمة

  2. gina says:

    ربنا يباركك و يبارك كل كلمة لخلاص الناس،بس توضيح هخو مش اصحاح الايمان هو عبرانيين 11 و ليس 12؟ام هما الاثنين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s