من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 18 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | سادسًا | الندم

Judas-hangs-himself

فَلَمَّا فَرَغَ دَاوُدُ مِنَ التَّكَلُّمِ بِهَذَا الْكَلاَمِ إِلَى شَاوُلَ قَالَ شَاوُلُ: «أَهَذَا صَوْتُكَ يَا ابْنِي دَاوُدُ؟» وَرَفَعَ شَاوُلُ صَوْتَهُ وَبَكَى.ثُمَّ قَالَ لِدَاوُدَ: «أَنْتَ أَبَرُّ مِنِّي لأَنَّكَ جَازَيْتَنِي خَيْراً وَأَنَا جَازَيْتُكَ شَرّاً.(1صم  24 :  16 – 17)

وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسَطِ. (يو 8: 9)

حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!»  (مت  27 :   – 43)

 يخبرنا الكتاب المقدس عن أشخاص كثيرين ندموا على خطاياهم وسلوكهم المتغرب عن الله[1]، ويخبرنا أنه ربما ذلك كان بداية حسنة تصلح لكي تتحرك وتتحول لتوبة إيمان تغير الاتجاه العام للحياة، وربما ذلك أفضل من إنكار الخطية أو تجاهلها.

الندم أمر طبيعي لأن أجرة الخطية هي موت، ربما يناور الإنسان ويراوغ ويبرر خطاياه ويخدع نفسه حتى نهاية حياته وتلك مشكلة لا حل لها للأسف وخلفها قلب قاسي، أمثاله صلبوا المسيح وأكملوا اضطهاد لأتباعه في سفر الأعمال، لكن ربما مع الوقت عاجلاً أم آجلاً يتضح للإنسان أنه أخطاء ويعرف فداحة الجرم الذي ارتكبه في حق نفسه والآخرين والله، وساعتها سيشعر بالندم حتماً.

لكن الكتاب المقدس يخبرنا أنه لو توقف الموضوع عن الندم وكفي، فذلك لا يعتبر شيئًا، فعندنا في الأمثلة السابقة، أن شاول أقر في مطاردته لداود أنه أخطا وبكي، وكذلك يهوذا أقر بجرمه في تسليم المسيح ثم أنتحر يائسًا، وأيضاً ضمائر الفريسيين بكتتهم بسبب خطاياهم في موقف المرأة التي أمسكت في ذات الفعل وبعدها دبروا صلب المسيح. أي أن نتيجة الندم المجرد أن كل هؤلاء أكملوا كما هم.

ونري بولس الرسول يوضح لنا نوعين من الحزن علي الخطية:

لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتاً. (2كو 7: 10)

إن الندم ناتج من يقظة في الضمير الذي وضعه الله داخل الإنسان كجزء من الكيان الروحي للإنسان، تلك الحركة وإن كانت بداية جيدة، لكنها لا يمكن أن نثمر تغيير حقيقي للإنسان وولادة ثانية وحدها، إلا حين يتبعها رفض للحالة التي أنا فيها، فينفتح الوعي تدريجيا على أني مقيد في حالتي وحتى إن كرهت الخطية، أنا لا أستطيع الانفلات منها كما شرح بولس الرسول في رومية الإصحاح السابع[2]، فتكون النتيجة هي الصراخ الحقيقي للرب لينتشل الإنسان من حالته، هنا ينشئ حزني توبه للخلاص وينتفي الندم البشري الطبيعي، يحدث الميلاد الجديد، ويبدأ عمل الرب في القلب لتغيير توجها الإنسان الذي هو التوبة[3].

لذا فالتوبة التي هي أحد أعمال الإيمان، هي عطية من الله وليست فعل بشري[4]، التوبة في مفهومها الحقيقي هي تغيير شامل للاتجاه[5]، وفارق شديد بينها وبين الندم على الخطية، وكثيراً ما نتصور أن الندم الذي نندمه يعتبر توبة مقبولة من الله، بينما هو لم يتعدى أحد ثمار الخطية مع تجاوب ضمير الإنسان، ولكن إن لم يكتمل تجاوب الإنسان معه فستكون النتيجة أنه يتوقف عند كونه ندم ولم يتهيأ القلب لعطية التوبة التي من الله، لذا لم نري بولس محبوس في سجن الندم بسبب اضطهاده للكنيسة واشتراكه في قتل البار استفانوس، بل نجد أن توبته أنشأت تحول تام في اتجاهات حياته ولم نراه اسير ندمه وخطاياه السالفة، بن نراه تركها وأصبح شخص آخر.

التوبة الحقيقية تنشئ تحول جذري في توجهات الإنسان، حتي لو أستمر قيد الخطية لفترة، لكن حين يتوب الإنسان يتحول ضدها بعد أن كان متصالحًا معها وذلك تغير في التوجه، أما من يكتفي بالندم، فتوجهات حياته تكمل في مسارها كما هي، وشتان بين هذا وذاك.

أما التوقف عند الندم والاكتفاء به فهو إما يكون سطحي وعابر ويعود الإنسان لحالته مثلما بكي شاول على ما يفعله في داود ثم أكمل كما هو، أو إما يستمر الندم ويجر الإنسان لليأس التام من الحياة وأن يكون مبتلع في اليأس تماما، وذلك صورة من صور عدم الإيمان الذي قد يصل للانتحار وقتل النفس مثل يهوذا.

Romany Joseph
6th December 2013

 لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  هذه المقال أغلبها مقتبس من عظة لخادم الرب “رفيق أنسي” عن علامات الولادة من الله (الحقيقية والمضللة) القاها في عام 2004 بأسرة مارمينا بأسقفية الشباب – بتصرف.

[2]  للمزيد يمكن مراجعة مقالة: ولادتنا الجديدة من الله

[3]  للمزيد يمكن مراجعة الجزء الخامس من السلسة: كيف يحدث الميلاد الثاني.

[4]

تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلَهِي. (ار 31: 18)

فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ سَكَتُوا وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ قَائِلِينَ: «إِذاً أَعْطَى اللهُ الْأُمَمَ أَيْضاً التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!». (أع 11: 18)

مُؤَدِّباً بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ   (2تي 2: 25)

[5]  كلمة توبة باليونانية  (μετάνοια) تعني تغيير قناعات الذهن وتوجهات الإنسان في عمومها – راجع G3340

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 18 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | سادسًا | الندم

  1. shady says:

    مساء الخير فى سؤال عندى

    حضرتك بتقول
    ن الندم ناتج من يقظة في الضمير الذي وضعه الله داخل الإنسان كجزء من الكيان الروحي للإنسان، تلك الحركة وإن كانت بداية جيدة، لكنها لا يمكن أن نثمر تغيير حقيقي للإنسان وولادة ثانية وحدها، إلا حين يتبعها رفض للحالة التي أنا فيها، فينفتح
    سؤالى هنا عن حالة الرفض كيف اصل الية ؟
    يعنى كشف اليا حالى وحزنت ولكن الوضع رجع عادى كيف اتحول من العادى للكراهية
    دى مين اللى بيعملها انا ولا ربنا يعنى لو طلبتها من ربنا اخدها ؟

    • RomanyJoseph says:

      اهلا اخ شادي
      ان ابغض حالي.. ينتج من رؤية حقيقة حالي
      من السهل جدا اما تشوف شخص مؤذي.. تكرهه.. صح
      كراهية حالي وبغضة الذات بتيجي بنفس الطريقة..
      اشوف نفسي علي حقيقتها.. فاكره حالة الفساد اللي انا فيها
      الله يكشف حقيقتي.. في مواقف الحياة واختياراتي
      حقيقتي تظهر
      لو انا أمين وحقيقي.. هاتجاوب واشوف
      اما لو باخدع نفسي.. هاكذب وازيف واجمل
      شكرا لك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s