من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 19 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | سابعًا | المقارنة مع الآخرين

4426283-845322-competitionللوهلة الأولي نظن أنه مقياس سهل ومفضوح، فبالطبع لا ينبغي أن نقيم حالنا بالمقارنة مع الآخرين، لكن نظرة أعمق لما قاله الرب يسوع في كلامه للفريسيين الذي وصفهم بأنهم أبرار ويحتقرون الأخرين، ثم قال بعدها مثل الفريسي والعشار، نجد أننا كثيراً ما نقع أسري في فكرة المقارنة، حتى لو لم تكن واضحة، لكنها تحتل مساحة كبيرة في عقولنا وكياننا الباطن، والسبب أن العالم كله يروج لفكرة المقارنة كأساس لتقييم الأمور، فالأعمال والنجاح والتفوق في العالم مبني علي روح التنافس والصراع والأفضلية، وربما امتدت المقارنة من الآباء لتقارن بين الاخوة، ربما يطالب اباء آخرين أبنائهم بالتفوق علي زملائهم في الدراسة وهم تلاميذ، نعم روح المقارنة منتشرة بشدة وكثيرًا ما تتسحب على أمور الروح حتي لو لم ندري أو إن كنا لا نريد.

بينما ذلك الكلام وهذا المقياس مضلل بكل ما تحمل الكلمة من معانِ، بل هو متلف للشخصية ولنفسية الإنسان ومدمر له، فالله لا يقيم الأمور بهذه الطريقة العالمية الشريرة، وليس عنده ذلك الفكر، بل هو أن يعرف أن لكل ابن من أبنائه سمات شخصية وظروف وأمور يمر بها غير الآخر، ولا يوجد في عالم الروح أي مقارنات أو تنافسات.

تقييم أني مولود من الله بسبب أني أفضل من آخرين

نري في مثل (الفريسي والعشار – لوقا 18) أن لغة المقارنة كانت في قلب الفريسي، فهو أذكي من أن يقولها بلسانه، أو حتى بعقله، لكن في كيانه وعماقه وقلبه، كان يري نفسه أبر من الآخرين وعنده أسباب ناقشنها في المقالات السابقة.

لقد خرج الفريسي وهو مغيب تماماً أنه مرفوض من الله، والسبب أنه يري نفسه أفضل من العشار، في الواقع أن من يعرف المسيح واختبره ونال الميلاد الثاني، يتعمق بداخله الشعور بأنه كان مريضًا للموت والرب شفاه وأحياه، ومن هنا يكون شعوره نحو أشر الخطاه هو الشفقة والأنين، ولا يتفاخر، فقد انتفي الافتخار، بل كل ما يسيطر عليه أنه يتمني من قلبه أن يذهب ذلك المريض للطبيب الذي شفاه وغير حاله. تلك هي احشاء أولاد الله وحين نجد داخلنا غيرها.

لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ (كعطية من الله)؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ (من الله) فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ (وكأن ما عندك بسبب فضلك)؟  (كو 4: 7)

إن مرض المقارنة والمنافسة منتشر كالنار في الهشيم في قلوبنا، ربما نسمعه في الصرعات الطائفية حني نري طائفتين كل منهما تتعالي على الآخرى وتقول إنها أكثر تقوي، وأصح إيماناً!!

لأَنَّنَا لاَ نَجْتَرِئُ أَنْ نَعُدَّ أَنْفُسَنَا بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ يَمْدَحُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ أَنْ نُقَابِلَ أَنْفُسَنَا بِهِمْ. بَلْ هُمْ إِذْ يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُقَابِلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، لاَ يَفْهَمُونَ. (2كو 10 :  12)

بل ويمتد الأمر إلى أن الإنسان ربما يقارن نفسه بنفسه، فيشعر بالفخر والترقي، لنقارن ذلك بكيف يحسب الرسول بولس حياته ونظر لها كنموذج لشخص حقيقي مولود من الله.

لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضاً الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلَكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَلْيَفْتَكِرْ هَذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ افْتَكَرْتُمْ شَيْئاً بِخِلاَفِهِ فَاللهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هَذَا أَيْضاً. (في 3: 13 – 14)

لقد قال بولس ان حساباته تتلخص أنه – رغم كل إنجازاته الروحية – لا يري نفسه قد وصل لشيء، وبناء على ذلك يفعل شيء واحد، يحاول الامتداد لعله ليدرك عمل المسيح لأجله.

 

تقييم أني غير مولود من الله بسبب أسواء من آخرين

ذلك الأمر مؤلم بحق، وهو الوجه الآخر المدمر للمقارنة، فكثيرًا ما أري أمناء وأنقياء يشكون أنهم مولودين من الله بسبب أنهم يقارنون أنفسهم بعظماء (وبمعني أدق: من يروهم عظماء)، وحين يفعلون ذلك يعتريهم شعور قوي أنهم لم يعرفوا الرب بعد، وأنهم أشرار. ليست فقط المشكلة أنهم يقارنون دون اعتبار اختلاف الشخصيات والظروف، بل يتوهمون أن من يسموهم عظماء هم أوناس وصلوا الكمال وبلا خطية ويؤلهونهم، مما يجعلهم يقعون في اليأس والفشل[1] بصوة أسهل وأكبر.

نعم يوجد أبطال في الإيمان، لكني أدعوك أن تتصفح أصحاح عبرانيين 11 الذي سُرد فيه ابطال الإيمان، ستجد أن كثير منهم عنده انحرافات أخلاقية، وسلوكيات معيبة، وليسوا كاملين كما نتصور.

نحن مدعوون أن “ننظر لنهاية سيرتهم ونتمثل بهم”[2] لكن لنعي أن سيرتهم مملؤة ضعف والله يقبلهم ويغيرهم تدريجياً، والله لا يصنع مني شخص كامل في لحظة، بل ينمو بي في طريق الكمال[3].

أيضا المقارنة أحيانا تمتد لنري أنفسنا بلا المواهب، ربما يكون عندنا مواهب لم تكتشف بعد، ربما ايضاً يكون عندنا مواهب غير ظاهرة ورائعة، لكننا لا نستخدم بسبب أننا نركز على أصحاب المواهب الظاهرة، فذلك بارع في الكتابة، وذلك فصيح اللسان في الوعظ، وذلك موهوب في التعليم، وذلك مرنم لا مثل له، وسط تلك المقارنات البغيضة أصل لاستنتاج أنني لا اعرف الرب مثلهم.

هل يا تري خرج العشار وقد رأي نفسه مقبول ومبرر من الرب؟ أعتقد أن الرب يبذل معه مجهود كبير ليري أنه مقبول ومتبرر بينما هو يقاوم، لقد رأيت كثيرين أمناء ومحبي للرب بقلب طاهر لا أملك مثله ولا استحق أن اغسل أرجلهم، وكانوا يظنون أنهم لم يعرفوا المسيح بعد، وكان جزء من ذلك الشعور أنهم يقارنون أنفسهم بالآخرين.

 Romany Joseph
8th December 2013

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا 

 


[1]  كنت في فترة من حياتي اقوم بتأليه بعض الخدام (كنت اسميهم “خدام كبار”) واراهم الحلم الذي يجب ان أصل له، وبسبب ذلك التأليه كنت أشك كثيراً في علاقتي مع المسيح لأنها لا ترقي لمستواهم، وللأسف كثير منهم كان يعشق ذلك الشعور في اعين الأخرين. ويحب أن يكون كبيرا ومتأله في نظر من حوله.

ومع الوقت… كان ينكشف للكل امور صادمة في حياتهم وخدمتهم… فهم مملؤون ضعف مثل أي شخص أمين وحقيقي… مثلي ومثلك… وعلمت ان النمو صعب.. والتخلص من الضعف يأخذ وقت… وانكسر قيد الشك الذي كان مرجعتيه مقارنة مع صورة هلامية… وعلمت حقًا كم نحن كلنا ضعفاء… لكن اخطر شيء رأيته أن يتوهم البعض انه “خادم كبير” وهو في حياته “صغير وهش” .. هذا يحول الضعف الذي يستره الرب ويقبله…ليكون فساد لا يستره ولا يقبله… فيبدأ وثن “الخدام الكبار” في التعري… وتسقط اوراق التين… وينفضح عريهم امام الجميع… وتنهار خدمتهم… وتستعلن تناقضاتهم

 ويبقي التحدي… هل سيتضعون ويقبلون انهم “صغار” وأخر الكل فيرفعهم الرب… ام يعاندون ويستمرون في توهم أنهم كبار وأولون وفاهمون فيصيرون اخرون ومزيفون وفاسدون…فهذا السلوك هو سر الانحدار والجمود

 ويبقي الدرس…أن احيا بالحقيقة صغير.. دون تجميل… دون طلب لمديح الناس او حتى تصديقه. فانا أكثر العارفين بمدي بعدي عن صورة يسوع التي يجب ان أكون عليها (ولن اخدر نفسي اننا كلنا بعيدين فأهدأ وانام) … وهذه الحقيقة هي سر النمو والتغيير

[2]  (عب  13 :  7)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s