من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 21 | أسس حقيقة لتقييم الميلاد الثاني | ثانيًا | يُسر بأمور الله

rejoice-1

[1]لقد قال داود أن المولود من الله يسر بكلمة الله وناموسه[2] ووصف كاتب المزمور ال 119 كيف تشتاق النفس التي نالت التجديد لمحضر الله ولكلمته والوقوف أمامه. بينما وصف أيوب الأشرار[3] انهم: “يقولون لله: ابعد عنا. وبمعرفة طرقك لا نسر”. (أي 21: 14).

الإنسان الذي لم يولد من الله بسبب سيطرة وسطوة طبيعته القديمة عليه، في أعماقه ينفر من أمور الله، لا يحبها، لا يطيقها، لا يرتاح في الأجواء الروحية (صلاة – قرأه للكلمة – تسبيح – قداسات – اجتماعات روحية)، حتى لو قال لسانه العكس أو تظاهر بغير ذلك، في أعماقه كل أمور الله ثقيلة جداً، ويمتد الأمر لا فقط لكون الأجواء الروحية ثقيلة، بل يتعدى ذلك ليصل أن مجرد فكر الله وأراءه في أمور الحياة أمر لا يطاق وثقيل، ودومًا يجعله نافراً شاعراً بضيق شديد.

بينما الإنسان المولود من الله بسبب حلول المسيح فيه تجده يسر بأمور الله ويشتاق لها، يرتاح في الأجواء الروحية ويبحث عنها ويرنو إليها، فهي بالنسبة له كالبن للرضيع، إنه يسر بكلمة الله وصوته ويشتاق لسماعه جداً ويفرح لمعرفه فكر الرب وطرقه، حتى لو كان الرب يقول أمر مؤلم وغير مريح للنفس، وهنا أمر يجب أن نتوقف ونعطيه وزن كبير… فالموضوع تعدي الجانب النفسي الذي يتبع أهواه الشخصية فيقبل ويفرح بما على هواه (عطايا – وعود  – شفاء – بركات)، وينفر مما ليس على هواه (صليب – توبة – ضيقات – إماتة – آلالام)، فالمولود من الله ليس كذلك، بل تجده حتي إن كانت كلمات الرب متعارضة مع واقعه الضعيف وتبكته، تجده يفرح ويقبلها بها وسط مشاعر الألم الناتجة من كونه ليس علي مستواها.

لنقرأ موقف هام في الكتاب، ونقارن سوياً رد فعل الشاب الغني والتلاميذ حين سمعوا نفس الكلام الذي كان صعب عليهم جميعًا

وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. لاَ تَسْلِبْ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ». فَأَجَابَ: «يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي». فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ». فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِيناً لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ. فَنَظَرَ يَسُوعُ حَوْلَهُ وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِفَتَحَيَّرَ التَّلاَمِيذُ مِنْ كَلاَمِهِ. فَقَالَ يَسُوعُ أَيْضاً: «يَا بَنِيَّ مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ! مُرُورُ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِفَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللَّهِ» (مر 10: 17 – 27)

في هذا الموقف، نجد أن كلمة المسيح اصطدمت بحياة وواقع كلا من الشاب الغني والتلاميذ على السواء، لكن شتان بين ردي الفعل، لقد مضي الشاب الغني حزيناً ولم يسر حين سمع كلمة المسيح له، ولم يناقشه أو حتى يرد عليه، إنه لا يسر بأمور الله وينفر منها وليس عنده استعداد للتفاوض معها ولو للحظة، لقد اقترب من المسيح لوهلة وفي أول تصادم بين كلمات المسيح وذاته وأحد اصنامه ابتعد وتراجع، إن ذاته وأصنامه خط أحمر غير مسموح للمسيح بالمساس بها وبتوجهاتها، بل وغير مسموح بمناقشة تلك التوجهات، هذه سمة من سمات من لم يولد من الله.

بينما نجد تعزية خاصة جدًا في تكملة القصة، فما قاله المسيح كان بالحقيقة صعب، لكن التلاميذ ورغم صعوبته تكلموا وأخرجوا تساؤلاتهم وحيرتهم فكانت التعزية أن “الغير مستطاع عند الناس مستطاع عند الله”، التلاميذ الكلام صعب عليهم، لكنهم في منطقة أخري تمامًا غير ذلك الشاب، إنهم في المسيح وولدوا من الله، أنهم بسبب الحياة الجديدة مرتبطين به ولا يستطيعون إلا أن يتبعونه، لقد كانوا يسروا بأمور الله وإن كانت تبدوا في بعض الأحيان في أولها محبطة وصعبة.. بل ومستحيلة.

في موقف آخر تكلم المسيح عن كونه الخبز الحي[4]، وكان الكلام صعب حتى أن الكثيرين مضوا وتكروه من تلاميذه.

مِنْ هَذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. (يو 6:  66)

وحين التفت للاثني عشر وقال لهم “العلكم أنتم ايضاً تريدون أن تذهبوا”، كان رد بطرس الرسول أكثر من رائع، فلم يقل له كلامك سهل، أو في متناول الأيدي، ولم يكتم ما بداخله، كلا، بل قال حقيقة عميقة داخله

فَقَالَ يَسُوعُ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟»  فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ».  (يو 6: 67 – 69)

نعم لا خيار للإنسان الذي نال الولادة الجديدة إلا تبعية المسيح لأنه مات عن الحياة القديمة وحياته الجديدة كائنة ومستترة مع المسيح في الله[5]، سواء كان ما يقودنا فيه يسوع سهل أو صعب، مريح أو متعب، يبدوا مناسب لنا أو يبدوا غير مناسب، فهو يعلم أنه لا يستطيع تبعية نفسه واهوائه مرة اخري، لقد أدرك أنه مائت بدون مسيح ولمن يذهب إلا له، وحتى إن ضعف وتبع ذاته يرجع ويعود لأن حقيقة تبعية الرب داخله أصبحت مستقرة ومتأصله بسبب الميلاد الثاني ونعمة انفتاح العين على تلك الحقيقة وهي أن المسيح هو الطريق والحق والحياة ولا يمكن أن يأتي أحد لله الأب إلا به، ولا دخول للملكوت السموات والحياة السمائية إلا من خلاله.

أتذكر في مشاركة روحية لي مع اخوتي أننا نذكر جيدًا أنه في بداية حياتنا مع الرب، كانت العظات الروحية وكلمات الإنجيل كثيرًا ما تكون مؤلمة جدًا نظرًا للفجوة الكبيرة بين واقعنا الذي بدأنا نكتشفه وبين ما يدعونا إليه المسيح، كان الكلام مؤلم بحق، لكننا كنا نفرح ونسر وسط ذلك الألم أن أعيننا قد انفتحت علي النور والبر الذي في المسيح والظلمة والشر التي فينا، وكان ذلك خطوة في الالتصاق بالرب أكثر وطلب عمله في حياتنا أكثر، فالمولود من الله يسر بأمور الله وكلامه حتى إن كان به تبكيت وحتى إن كان صعب، وهو يعي أن المسيح هو الفاعل فيه، فحين يتغير وينمو لا يفتخر بنفسه[6] بل بالرب الذي غيره[7].

 

 Romany Joseph
15th December 2013

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا

 

 


[1]  هذه المقال مستوحاة من عظة لخادم الرب “رفيق أنسي” عن علامات الولادة من الله (الحقيقية والمضللة)، القاها في عام 2004 بأسرة مارمينا بأسقفية الشباب – بتصرف.

[2]  طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ.  لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً. (مز1: 1 – 2)

[3]  لاحظ أن المقاييس الإلهية تجعل أن كل من لا يعرف الرب ولم يولد ولادة جديدة هو شخص شرير وفاسد، فالشر هنا هو مصدره نشاط الإنسان العتيق في النمو في الفساد وتأليه الذات ورغباتها، وسواء اخذ ذلك شكل وإطار يبدوا مقبولا أو مرفوضاً على مستوي الفكر البشري، فكلا الشكلين هم شر وفساد بمقاييس الرب فلا فرق على الإطلاق بين مجرم اثيم يقتل ويستبيح الشر، وبين اخر يبدو متحضراً مثقفاُ لكنه بسبب غياب المسيح منحصراً في ذاته وحياته وعمله واحتياجاته منفصلاً عن الاخر فذلك أحد أوجه الشر والفساد.

[4]  يو 6: 34 – 71

[5]    لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. (كو  3 :  3)

[6]  فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى! بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَلاَّ! بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. (رو 3: 27)

[7]  وَأَمَّا مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ. (2كو 10: 17)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s