من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 23 | أسس حقيقة لتقييم الميلاد الثاني | رابعًا | الحساسية الشديدة نحو الخطية وخصوصًا الزيف

images3ZV7O4YC

انظر لما كتبه داود النبي على احساسه الشديد ببشاعة خطيته.

مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ لِلتَّذْكِيرِ يَا رَبُّ لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثَامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِيناً. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلَأَتَا احْتِرَاقاً وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ. خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي. يَا رَبُّ أَمَامَكَ كُلُّ تَأَوُّهِي وَتَنَهُّدِي لَيْسَ بِمَسْتُورٍ عَنْكَ. قَلْبِي خَافِقٌ. قُوَّتِي فَارَقَتْنِي وَنُورُ عَيْنِي أَيْضاً لَيْسَ مَعِي. (مز 38: 1 – 10)

قد تقول: إن من به خطية كهذه لم يعرف لله بعد، أقول لك العكس، كلنا بنا خطية، ومن يعرف الله يئن منها مثله، بينما من يتصالح معه وتراه يومياً متعايشاً مع خطاياً هو المشكوك في معرفته بالرب وفي ميلاده الثاني. انظر لإحساسه الشديد بالخطية وفزعة من نتاجها، انظر للوعي الروحي لنتائج الخطية وبشاعتها والذي يرميه علي الرب بكل تأكيد ويلقيه بالتمام على النعمة لكي يتغير.

المولود من الله حساس نحو الخطية، ويوجد عنده ميل شديد لإدانة النفس وإخراج الخشبة التي في عيني، فمن علامات الولادة الجديدة أن تجد الشخص يقبل إدانة النفس ويلومها أولاً قبل كل شيء، ويخرج الخشبة التي في عينيه أولاً، وذلك ببساطة شديدة لأن عينه انفتحتا على الموت الكائن فيه، وعرف أن مشكلته داخله وليس خارج نفسه، إنه يقبل أن يدين نفسه لأن المسيح فيه صلب الطبيعة العتيقة وأماتها فهي لا تستطيع الهروب واللف والدوران، وإن حاولت تفشل مع الوقت بسبب حضور المسيح وحصاره للذات.

افتح الإنجيل وستجد أن المسيح قبل كل ضعف[1] وتعامل معه، من الزني وحتي كبرياء بطرس، لكنه لم يقبل أمر واحد وكان شديد الصرامة معه… إنه الزيف والازدواجية والتدين الظاهري مع الفساد الداخلي، ولأن من ولد من الله له نفس أحشاء المسيح وروح المسيح، تجده شديد الحساسية نحو أي زيف في حياته أو حوله، يتألم منه بشدة ويرتعب إذا اكتشفه ويدين نفسه إن وجده، أنظر لداود حين كان في حالة من الزيف ومتصالح مع قتل اوريا الحثي واخذ أمرأته، وأنفعل نحو قصة مشابهة حكاها له ناثان النبي، حين نبه ناثان روح داود أنه يفعل كذلك، في ثانية واحدة قال داود: أخطأت!!

فَأَرْسَلَ الرَّبُّ نَاثَانَ إِلَى دَاوُدَ. فَجَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «كَانَ رَجُلاَنِ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَنِيٌّ وَالآخَرُ فَقِيرٌ. وَكَانَ لِلْغَنِيِّ غَنَمٌ وَبَقَرٌ كَثِيرَةٌ جِدّاً. وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إِلاَّ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ قَدِ اقْتَنَاهَا وَرَبَّاهَا وَكَبِرَتْ مَعَهُ وَمَعَ بَنِيهِ جَمِيعاً. تَأْكُلُ مِنْ لُقْمَتِهِ وَتَشْرَبُ مِنْ كَأْسِهِ وَتَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ كَابْنَةٍ. فَجَاءَ ضَيْفٌ إِلَى الرَّجُلِ الْغَنِيِّ فَعَفَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَنَمِهِ وَمِنْ بَقَرِهِ لِيُهَيِّئَ لِلضَّيْفِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ نَعْجَةَ الرَّجُلِ الْفَقِيرِ وَهَيَّأَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ». فَحَمِيَ غَضَبُ دَاوُدَ عَلَى الرَّجُلِ جِدّاً، وَقَالَ لِنَاثَانَ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ النَّعْجَةَ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ لأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا الأَمْرَ وَلأَنَّهُ لَمْ يُشْفِقْ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! (2 صم 12: 1  – 7)….. فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَيْضاً قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (عدد 13)

لاحظ رد فعل داود وهو الممسوح ملك ومن ينتقده شخص مجهول، في لحظة أعلن توبته وبلا جدال ولا لف ودوران وتبرير للنفس أو التماس أعذار لها، قارن ذلك مع جدالاتنا ودفاعنا المستميت نحو ذواتنا ونظرياتنا وتبريرنا لأخطائنا، نعرف الآن لماذا قال الرب أن داود حسب قلبه[2]، لأنه لا يرتاح في الخطية ويئن منها وأنه إن اكتشف زيف يعترف به بسهوله ولا ينكره.

افرح إن كنت ذو حساسية شديدة ناحية الخطية وترتمي في حضن الرب في كل مرة تري فيها نفسك تخطي، افرح إن كنت تميل لإدانة نفسك وتقيسها دومًا على مقياس حياة يسوع، افرح لو كنت تئن من خطاياك بدموع، افرح إن كنت تري نفسك أول الخطاه، افرح إن كنت تخرج الخشبة التي في عينك، وتدين نفسك، افرح ان كنت تكره الزيف وترتاع إن ودجته فيك، إن كل ذلك علامة حياة واحد الأدلة علي نوال الميلاد الثاني.

وعلى النقيض التام… من لم يولد من الله تجده يهرب بشدة من إدانة الذات بكل السبل، حين يتواجه مع كلمة الله في مخدعه أو في عظة أو في مواقف مع اخوته أو احتكاكات الحياة التي تفضح عرينا، تجده يلف ويدور ويناور أن تخترق الكلمة نفسه، ويفعل الثلاث حيل الشهيرة التي فعلها آدم أول ما سقط لتجنب الاعتراف بالخطية (الهروب والاختباء – ورق التين والتجميل – القاء اللوم على الآخر) والسبب ببساطة أن ذاته تحيا في آدم الأول لا المسيح، لذا هي حية متربصة ترفض أي محاولة لفضحها لئلا تموت، ترفض أي اعترف حقيقي من القلب.

من لم يولد من الله سلوكه متناقد مع كلماته.. وحين يتواجه مع ذلك بسبب موقف أو كلمة من الرب في عظة أو انتقاد مباشره من اخوته، تجده يهرب ويبرر ويتلاعب، يلف ويدور ويفعل كل التفاف ومواربة لكي يبرر ذاته لا لكي يدينها مثلما فعل داود.

يوجد توجه آخر رأيته منتشر في بعض الكنائس التي تعتمد فقط على اللاهوت النظامي الغربي[3]، أي تتعامل مع الله بشكل نظامي جاف من الروح ثري في العقل والفكر، يكون لديها الإيمان عبارة عن قناعات عقلية وليس حقائق إيمانية معاشة، فيكون المؤمن هو من وعي “عقليًا” عمل المسيح لأجله، و “فهم” أن خطاياه قد غفرت في الدم، و “اقتنع” أنه يحتاج فقط أن يقبل المسيح مخلصا وفاديًا، وبالمناسبة، ما أسهل ذلك علي من خلفيته مسيحة ونشأ في بيت مسيحي، هل حين يذهب للكنيسة ثم يسمع عظة وبعدها يقولون له هل تقبل المسيح فاديًا ومخلصًا؟ هل سيقول لا؟  بالطبع سيقول نعم، وهنا يقولون له أنه قد قبل المسيح ونال الميلاد الجديد.

بينما كما تكلمنا سابقُا، الموضوع أكبر من قناعات عقلية، إنه أعمق من “وعي وفهم واقتنع”، إنها حقائق إيمان يستعلن فيها فساد الإنسان أمام عينيه، ويدرك بكل كيانه موته، فيصرخ ويجتذب لنفسه المسيح مخلصًا، الموضوع أعمق بكثير من مرحلة القناعات العقلية، هنا في حالة القناعات العقلية، يظن الشخص أنه نال الميلاد الجديد بينما هو لم تُستلعَن له بشاعة الخطية ولم يدرك خلاص وعمق بر المسيح، للأسف تلك التوجهات يكون فيه التركيز على الغفران أكثر من التركيز على الحياة الجديدة[4]، وكنتيجة نجد كثيرون ممن يتبعون ذلك الفكر يتوهمون أنهم ولدوا من الله، ويخرجون ليكملوا حياتهم كما هم دون التحول الجذري الذي تكلمنا عنه في أحد الأجزاء السابقة.

وهنا تحدث كارثة أخري، فحين يخطئ خطأ متواصل ومتكرر، تجده متصالح مع خطيته تمامًا ويقول أن المسيح يقبله بخطيته، وأن دم المسيح يغفر كل الخطايا ويطهره، هذه نصف حقيقة مدمرة، فما قاله عن المسيح سليم تمامًا، لكنه خبيث لأنه لم يتكلم عن رد فعل ذلك عمل دم المسيح في النفس، فلو وعي كيان الإنسان قبول وغفران المسيح وأن دم البار سفك لأجله وهو فاجر، ذلك سيجعله في قمة الحساسية نحو الخطية، وقي قمة الرفض والأنين منها لها حتي لو كان مقيد ومحبوس فيها، نحن هنا نتكلم علي توجه القلب، فنحن تكلمنا أن بعض الخطايا تبقي لوقت طويل بعد نوال الميلاد الثاني لأسباب كثيرة، وهنا يبقي موقف الإنسان منها دليل علي حالته،

وحين يستمر الشخص في الخطية بتصالح وبحجة أن المسيح يغفر ويطهر بدمه، يكون كمن يجعل المسيح “خادم خطية” بحسب تعبير بولس الرسول لأهل غلاطية،

فَإِنْ كُنَّا وَنَحْنُ طَالِبُونَ أَنْ نَتَبَرَّرَ فِي الْمَسِيحِ نُوجَدُ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضاً خُطَاةً، أَفَالْمَسِيحُ خَادِمٌ لِلْخَطِيَّةِ؟ حَاشَا! فَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَبْنِي أَيْضاً هَذَا الَّذِي قَدْ هَدَمْتُهُ، فَإِنِّي أُظْهِرُ نَفْسِي مُتَعَدِّياً. لأَنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَحْيَا لِلَّهِ. (غلا 2: 17 – 19)

أي أنني أستغل غفران المسيح ودمه لكي أستمر في حياة الخطية واستخدم دمه لتخدير نفسي بينما دم المسيح موجود لأجلي لكي يبث حياة المسيح في، فأكون شاهد علي نفسي أنني لم أولد من الله، وأني غير مدرك لعمله، فمن نال الميلاد الثاني يكون حساس جدًا نحو الخطية ونحو الزيف.

 Romany Joseph
20th December 2013

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  راجع مقالة بين الضعفات والنجاسات

[2]  (اع  13 :  22)

[3]  اللاهوت الغربي هو لاهوت إيمان الكنائس الغربية الذي ينقسم بصورة عامة إلى لاهوت لوثر وكلفن، ومرجعتيه اللاهوت الأغسطيني ولاهوت القديس توما الإكويني والذي اعتمد عليه كلاهما في وضع أسس اللاهوت الغربي بحسب ما ورد في كتاب علم اللاهوت النظامي للقس جيمس أنِس – الفصل السابع.

اللاهوت الغربي يركز تركيز شديد علي الجانب القانوني في الغفران، وهو أن الإنسان عليه حكم موت والمسيح مات لأجل دفع ثمن العقوبة، أكثر من التركيز على الحياة الجديدة.

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s