من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 26 | أسس حقيقة لتقييم الميلاد الثاني | سابعًا | الشهادة للمسيح

POST_-_JOHN_THE_BAPTIST_s640x427

من يحيا بالطبيعة العتيقة فقط[1]، يشهد لنفسه ويطلب مجد نفسه[2] وتأليهها، تحركاته وتوجهاته وكلماته هدفها مجد نفسه، وكل محور حياته هو نفسه، إنه يتوهم أنه صحيح ولا يعلم أنه مائت، لذا هو يحيا لذاته، وكنتيجة طبيعية يمجد نفسه، أي يبشر بنفسه وروعته وقدرته، ويشهد لنفسه ويمدح نفسه ويطلب من الآخرين مدحا بشكل مباشر أو غير مباشر، ويتحرك لتحقيق رغبات نفسه واهواء نفسه لأنها في نظره تستحق التمجيد والتكريم والعطاء.

أما النفس التي تتقابل مع المسيح وتدرك مدي مرضها وموتها وفسادها من جهة، وتري الحياة والبر والصلاح الكائن لها في الرب يسوع من جهة أخري، ويستعلن لها أنه أتي لينتشل النفس من الظلمة للنور، وتدخل بالإيمان في اختبار الموت والقيامة ونوال الميلاد الجديد، تفعل عكس ما يفعله الإنسان الطبيعي، فهي بسبب ادراكها لفسادها تقف في مواجهه تمجيد الذات وطلب المديح والشهادة للنفس، وتقف ضد طريقة وأسلوب الإنسان الطبيعي في التجاوب مع متطلبات ورغبات النفس وحب الرفاهية، وتنمو في الا تعرف شيء غير يسوع المسيح وإياه مصلوبًا، وتنمو في أن تنقص وهو يزيد، وأن تخبر به ولا تخبر بنفسها.

لذا نجد النفس التي نالت الميلاد الثاني من المستحيل الا تشهد للمٍسيح، وألا تنمو في الشهادة لأجله على حساب الذات، من المستحيل أن تري مرضي وأموات بالذنوب والخطايا ولا تحاول أن تخبرهم وتبشرهم عن حقيقة موتهم وحقيقة الحياة التي لهم في المسيح، من المستحيل ألا تكون مشغولة علي أقل تقدير بأن تشهد لله الذي أنقذنا من سلطان الظلمة إلى ملكوت أبن محبته.

وفي كل الأحوال، الشهادة للمسيح تكون بإعلان حقيقة موتنا وحقيقة الحياة التي لنا فيه، وارجاع المجد له ولعمله الخلاصي في الإنسان وعظم نعمته. لا نري في الكتاب المقدس كله شخص واحد تقابل مع المسيح ونال الولادة الجديدة ولم يشهد له، بل وكان ينمو في الشهادة له

الشهادة للمسيح لا تحتاج مهارات وقدرات، إنها نتيجة تلقائيه للتقابل مع المسيح وحلوله والميلاد الجديد، فيشهد الإنسان الجديد بحسب شخصيته ومرحلته وبحسب الموقف، كل من تقابل بالحقيقة مع يسوع المسيح وبدأت مفاعيل الحياة الجديدة تسري فيه بعمل الإيمان، كانت الشهادة للمسيح نتيجة طبيعية وتلقائية جدًا لذلك، كل واحد فعل ذلك بطريقته وبحسب الظروف ودعوته، بعض النماذج شهدت في الحال، مجنون كورة الجدريين خبر من حوله بإحساناته وعمله في حياته، المولود أعمي دافع عن المسيح حتى طردوه من المجمع، السامرية التي خبرت البلدة كلها عن المسيح ولم تقدر أن تسكت، واللص اليمين وبخ اللص الآخر وشهد لبر المسيح واستحقاقه هو واللص الآخر للموت، والبعض الآخر ترك كل شيء مثل اغلب التلاميذ.

الشهادة للذات وللمسيح أمرأن عكسيان لا يتفقان، لذا.. الشهادة للمسيح تتضمن رفض المدح الذاتي وإرجاع المجد لله، الشهادة للمسيح إن لم تكن على حساب الذات لا تحسب شهادة حقة ولا تعتبر مقياس للشهادة، الشهادة للمسيح من خلف المنابر ومن خلال الكلمات والعظات، أو من خلال الكتابات والاشعار إن لم يكن خلفها خسارة للذات لا تحسب شهادة حقة، الشهادة الحقة تنطوي على خسارة للذات بدرجة ما بحسب قامة ونمو من يشهد للمسيح، خسارة في الوقت والمال والجهد بل والسمعة وقبول المخاطر، حتى سفك الحياة كلها لأجل الشهادة المسيح.

النفس التي نالت الميلاد الثاني إن وجدت نفسها في موقف ما هي محور التمجيد أو التكريم أو الشكر أو الفضل، تنزعج بشدة، ولا ترتاح مع ذلك، لأنها تعرف في صميم كيانها الجديد أن المستحق لكل ذلك هو المسيح الرأس، فتجدها تحاول أن ترجع ذلك المجد للرب وتلفت نظر من يعطوها مجداً بأن ينظروا المسيح ويرجعوا له المجد.

لنري رد فعل كلا من بولس وبرنابا حين ظنهم الناس ألهه وشرعوا أن يؤلهوهم…

فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ (معجزة) رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ: «إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا». فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ. فَأَتَى كَاهِنُ زَفْسَ الَّذِي كَانَ قُدَّامَ الْمَدِينَةِ بِثِيرَانٍ وَأَكَالِيلَ عِنْدَ الأَبْوَابِ مَعَ الْجُمُوعِ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ. فَلَمَّا سَمِعَ الرَّسُولاَنِ بَرْنَابَا وَبُولُسُ مَزَّقَا ثِيَابَهُمَا وَانْدَفَعَا إِلَى الْجَمْعِ صَارِخَيْنِ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ لِمَاذَا تَفْعَلُونَ هَذَا؟ نَحْنُ أَيْضاً بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هَذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلَهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا (أع 14: 11 – 15)

 الانسان الطبيعي في ذلك الموقف يفرح ويحب شعور العظمة والتأليه بل ويسعي ليناله، بينما نجد أن الرسولان حين أتي لهم المجد والعظمة تحت أقدامهما وإذ بهما بدون اتفاق تصرفا نفس التصرف بسبب الروح الواحد الذي انزعج جدًا فيهم، أنهم مولودين من الله لا يرتاحا أبدا في تمجيد الذات وتأليهها، ويرجعا المجد لله دومًا، انه تصرف تلقائي من طبيعتهم الجديدة، سواء كان الانزعاج من المجد الذاتي أو ارجاع المجد لله.

أيضاً، النفس التي نالت الميلاد الجديد حتى وإن واجهت ضيقات لا تستطيع أن تسكت ولا تقدر ألا تتكلم عن المسيح، لقد كان أرمياء النبي مضطهد ممن حوله حين كان يتكلم بحقيقة الموت الذي في شعبه، وحين حاول أن يسكت ليتجنب الاضطهاد لم يقدر، كذلك بطرس ويوحنا الرسولين حين هددهما اليهود ألا يشهدا للمسيح قالا إنه “لا يمكن”، هنا المحك العملي لتقييم الشهادة، المخاطر والتهديد والخسارة

لأَنِّي كُلَّمَا تَكَلَّمْتُ صَرَخْتُ. نَادَيْتُ: [ظُلْمٌ وَاغْتِصَابٌ!] لأَنَّ كَلِمَةَ الرَّبِّ صَارَتْ لِي لِلْعَارِ وَلِلسُّخْرَةِ كُلَّ النَّهَارِ.   فَقُلْتُ: [لاَ أَذْكُرُهُ وَلاَ أَنْطِقُ بَعْدُ بِاسْمِهِ]. فَكَانَ فِي قَلْبِي كَنَارٍ مُحْرِقَةٍ مَحْصُورَةٍ فِي عِظَامِي فَمَلِلْتُ مِنَ الإِمْسَاكِ وَلَمْ أَسْتَطِعْ. (أر 20: 9 – 10)

فَدَعُوهُمَا وَأَوْصُوهُمَا أَنْ لاَ يَنْطِقَا الْبَتَّةَ وَلاَ يُعَلِّمَا بِاسْمِ يَسُوعَ. فَأَجَابَهُمْ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا: «إِنْ كَانَ حَقّاً أَمَامَ اللهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ اللهِ فَاحْكُمُوا. لأَنَّنَا نَحْنُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ لاَ نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا». (اع 4: 18 – 20) 

لاحظ الكلمات “لم أستطع” و “لا يمكن” تؤكد لنا أن الشهادة للمسيح أمر في صميم الطبيعة الجديدة، فكما أن المسيح في صميم طبيعته ولاهوته أن يرجع المجد لله الآب لأنه رأسه، كذلك الإنسان الجديد الذي رأسه المسيح[3] بالطبيعة يرجع المجد له ولا يستطيع ألا يفعل غير ذلك.

ربما في بداية ميلادنا الثاني تكون الشهادة ضعيفة نظرًا لضعف وطفولية الإنسان الجديد الذي يشهد للمسيح، لكن حتي وسط ذلك يجب أن تكون موجودة بشكل ما وبدرجة ما، المولود من الله حتى في طفوليته وارتباكه نحو الشهادة، لكنه يشتهيها ويتمني الفرصة لكي يشهد له، مؤمنين كثيرين اختبروا ذلك في بداية علاقتهم الحقيقية بالمسيح، لم يكن لديهم الجرأة للتحدث عنه، لم يكن لديهم الكثير ليقولوه، لكنهم كانوا يشتهون الفرصة أن يحكي لهم أحد من أصدقائهم أو معارفهم عن حياته فيخبروه ببساطة وعمق أن الحياة في المسيح، ويحاوله أن يفعلوا مثل السامرية ويشيروا عليه أنه هو الحل.

ربما في بداية ميلادنا الثاني تحارب الإنسان طباعه العتيقة، بسبب قوة الذات التي تشهد لنفسها وتتمني أن تقبل المجد الذاتي، لكنه لا يرتاح مع ذلك التوجه كما تكلمنا في مقالة سابقه، فالآن سكن في الأحشاء الروح وبه شهوة تتحرك كالنار في أعماقه لكي يخبر من حوله بالحق الذي هو يسوع المسيح، وصليب المسيح يبطل شهوة الذات في التجبر والرغبة في الشهادة لنفسها كلما نما.

Romany Joseph
31st December 2013

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  هذه المقال مستوحاة من عظة لخادم الرب “رفيق أنسي” عن علامات الولادة من الله (الحقيقية والمضللة)، القاها في عام 2004 بأسرة مارمينا بأسقفية الشباب – بتصرف

[2]  مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ. (يو 7: 18)

[3]  وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. (1كو 11: 3)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s