رسالة تشجيع وتحذير للكنيسة نحو الأيام القادمة

407727_10151298655447386_1475125959_n

ثلاثة سنوات مضت على المصريين منذ يناير 2011. هي من أصعب السنوات التي شهدناها منذ أجيال، على جميع المستويات، الشخصي، المجتمعي، الكنسي، الوطني، ثلاثة سنوات كان بهم كل التقلبات الممكنة، من سرعة الحركة من أقصي اليمين إلى أقصى اليسار أحيانًا، وبطي الحركة والتدرج أحيانًا آخري، كان فيهم وهم التحليق ارتفاعاً في بعض الأحيان، وواقع الانحدار هبوطًا أحيانًا اخري، ثلاثة سنوات كانت كالدهر، ولم تنتهي القصة بعد، وربما كل ذلك ما هو إلا بداية.

ووسط كل تلك التقلبات، وخلال تلك الفترة المعتبرة وجيزة، كان ما انكشف من حالنا خلال 3 سنوات أكثر مما رأيناه في عقود كامله، بشهادة كثيرين أولهم أنا، وبشهادة الاحداث: ثورتين، رئيسيين جدد، تنحي الرئيس القديم وانتظار جديد وخلع الجديد وتعيين مؤقت، عدة حكومات، بطريرك جديد ووفاة القديم، حوادث، تفجيرات، مظاهرات حرائق، انتخابات، استفتاءات.

رأينا أمناء وأنقياء يريدون الخير بحسب مفهومهم، رأيناهم يظنوا أنهم قادرين، ويعتقدوا النجاح ونوال ما يتمنون، ثم اكتشفوا أن الأمور ليست بتلك البساطة، وأنهم عاجزين أمام سطوة الشر وقوته التي ظهرت بعد أن كانت مختبئًا، بل وعلمنا لاحقًا أن الثورة من تدبير قوي الشر المتاجرة بالدين والهادفة مصلحتها لا مصلحة الآخرين.

رأينا حولنا كم شرور وظلمة وجهل لم نكن نتوقعها ولا ندركها، لم تكن مختبأ تمامًا كما ظن البعض، لكنها فقط ظهرت أكثر وكشرت عن أنيابها، ربما انحصار كل واحد في ذاته جعله لا يتلامس مع الشر الكائن حوله ولا يدركه، لكن الفاهمون استشعروه حتى قبل أن يكشر عن أنيابه ويعلن قوته. رأينا تجارة بالدين عندها استعداد لفعل كل شيء باسم الدين لكي يصلوا للسلطة، رأيناهم يخدعون البسطاء والجهلاء ويتاجروا بحياتهم وأرواحهم الغالية لكي يحققوا مكاسب وأرباح على جثثهم.

رأينا مخدوعين، أمناء وبسطا وغير فاهمين، لكنهم مساقين خلف اشرار يقودوهم ويتاجروا وكل أمين ومستنير كان يئن حين يري ذلك، فكانت النتيجة ان الشر والتجارة بالدين تستخدم البسطاء والغير عارفين لتشكل قوة لا يمكن محاربتها.

لقد رأينا جهلنا وتخبطتنا، وكيف أن اغلب توقعاتنا وقراءتنا للأحداث خابت، نحشد الأصوات ونجمع الناس ونقوم بتوجيه الأمناء نحو اختيارات معتدلة تصب للمصلحة، بينما الشر يضحك بسخرية على سذاجتنا وافلاسنا، رأينا عنادنا وكبريائنا، حين كنا في كل مرة نكرر نفس الخطأ ونتوهم نتاج أفضل، فنحشد الأصوات مرة آخري ونتوهم أن المعتدلين والمستنيرين قادرين على التغيير مرة اخري، فكان الفشل هو النصيب وسخرية الشر زادت وضحكاته على سذاجتنا علت وارتفعت،

رأينا زيفنا والتوائنا، حينما كان ينبهنا أحد أن تلك الطرق لن تجدي وأننا نحتاج أن نرجع للرب، فكنا نعامله وكأنه عدو، ونتهمه بالتشاؤم والدروشة وكل أمر رديء، رأينا خوفنا وذعرنا فقام كل من قدرت يداه على الهجرة بالهروب وتصفيه أعماله، حتى أن المهاجرين لجورجيا من الاقباط تجاوزا عشرات الآلاف، رأينا فينا كل أمر قبيح وردي، رأينا موت ما بعده موت، وغياب للمسيح ما بعده غياب.

رأينا كنيسة مرتبكة مضطربة مذعورة، تلعق أقدام الحكام من أجل الأمان وترتمي بزناها في أحضان السلطة، من قبل الثورة وهي تؤيد مبارك وابنه[1] بينما هي لا يجب أن تتدخل في السياسة، ثم ترفض رسميا الثورة، وتقف بجانب نظام مبارك في بداية الثورة، وحين تنجح الثورة تقف بمنتهي التبجح والازدواجية لتباركها بعد نجاحها وبعد أيام قليلة كنا نأخذ فيها موقف عكسي، وفي رعب نتحرك لنحشد الأصوات ب “نعم” خوفا من التيارات الدينية، وحين يقفز الاخوان على السلطة تهنئهم وتمتدحهم، بل قبل وصولهم للسلطة كانت تتملقهم، تهنئ الإخوان وتمتدحهم، ثم تشترك في الثورة عليهم، وفي هذا التقلب المخجل وعدم ثبات المبدأ والموقف دليل حي علي تغرب الكنيسة عن المسيح، وقد جمعنا تدوين للموقف الكنسي نحو السياسة في مقالة منفردة.

لقد كتب الاب الورع تادرس يعقوب رسالة للبابا بمناسبة تجليس البطريرك الجديد يخاطب فيه الشعب بحتمية التوبة وقوتها الجماعية. وذكر فيه كثير من الأمور المخجلة في سلوكنا على المستوي الكنسي قيادات وشعب، وكانت بمثابة رسالة تبكيت واستفاقة لمن يسمع[2].

ومضت الثلاثة سنوات، ولم يكن أشد المتشائمين يتوقع التحول الذي حل بالبلاد بعد ثورة 25 يناير 2011. طن الكل أنها بداية عهد أحسن وأروع، وإذ بهم يشتهون الأيام السابقة بدموع ولا يجدوها، وسيطر الإحباط واليأس على الكل بعد أن احكم الإخوان قبضتهم على البلاد، وأنه ولا حل ولا ومخرج. ولا مهرب، ولم يكن أشد المتفائلين يتوقع التحول الذي حدث بعد 30 يونيو 2013.

فطوفان الشر اتي والأمناء غير مستعدين، فأتي والتهم وقدر وفعل، لقد جاءت ريح ومياه على مساكن استقرارنا وإذ بنا نجد أن الاساسات التي استقرت عليها حياتنا قمة في الهشاشة والضحالة، فكان انهيار حياة الكثيرين عظيم، البعض ارتد وألحد، والبعض الآخر في ذعره هرب وفر خارج البلاد، آخرين حين رأوا نمو التيارات الدينية نافقهم في رياء وجبن وخسة، اخرون وضعوا رؤوسهم في الرمال مثل النعام، وقلة امينة كما في كل زمان ارتمت علي الرب وصرخت له صراخ بدايته اعتراف بضعفها وطلب ان يغيرنا لا أن يغير الظروف،

واليوم بعد حدوث معجزة وانفراجه، نحتاج أن نسمع رسالة للكنيسة التي هي نور العالم والمسؤول الأول حسب فكر يسوع المسيح لنشر النور، والتي إن قامت بدورها وأنارت، استنار العالم حولها، وإن أظلمت عمت الظلمة الكل، الكنيسة التي هي حضور المسيح في الأرض، التي شبهاها هو بالملح، إن كان صالح وذاب وسط الطعام اعطي معني وقيمه له، وإن فسد يدوسه الناس.

والرسالة دوماً ككل رسائل الله، تحمل جانبين، الجانب المشرق إن قبلناها، والجانب المظلم من خطورة السلوك بعيدا عن صوت الله وحقه.

نحتاج أن نتشجع ونتحذر معًا، نتشجع لأن الرب صنع معجزة ويعطينا زمانًا لكي نتوب، فرصة يجب أن نري فيها امهاله ولطفه وطول أناته يقتادنا للتوبة[3]، ثلاث سنوات الأحداث فضحت ضعفنا وهشاشتنا، وكدنا نهلك لولا معجزة، لم تخلصنا قدراتنا ولا حشودنا ولا مهاراتنا، لم تنفعنا سياساتنا ولا تحركاتنا ولا اعتراضنا، أطبق علينا الفساد الذي تركنا يترعرع ليبتلعنا، لولا أن رب الجنود كان معنا، لابتلعنا الناس ونحن احياء[4].

يا تري ما الذي ينتظره الله من كنيسته ومن شعبه؟ الا ينتظر أن يتعلموا الدرس ويرجعوا له بكل قلوبهم؟ الا ينتظر أن يقولوا له اخطأنا وسعينا في طرقنا وتركنا طريقك؟ ألا ينتظر أن نقول له رأينا كم نحن متغربين عنك، فأرجعنا إليك؟ الا ينتظر أن نقول له اننا فعلنا ذلك بأنفسنا ونستحق كل ما حدث، لكن رحمتك وطول أناتك انقذتنا ونحن غير مستحقين؟ ألا ينتظرنا أن نفرج بذلك الحب، ونرتمي في أحضان هذا المحب.

إنها رسالة تشجيع، نتشجع لأننا رأينا صليبه عملياً، أي حبه ولطفه رغم شرورنا وفسادنا، إصلاحه لأخطائنا رغم عنادنا، نتشجع لأن الرب يقول أنا معكم وإن تركتموني أفتقدكم وانقذكم، فأرجعوا إلي فأعطيكم حياة، نتشجع لأن طلبات كل أمين استجابت ورأينا رحمة وعونًا في حينه، نتشجع لأن الرب يعطينا فرصة ويريد أن يعمل بنا أعمال عظيمة إن التصقنا به أكثر وطبلنا عمله فينا.

أما لو أكلمنا في طرقنا، وشكرنا الرب بشفاهنا ولم نرجع له بقلوبنا، انبئكم أننا هالكون لا محالة، سنكون كمن يرفض الرب بقلبه حتى لو يقبله بشفتيه، وسنكون قد خرجنا بعيدًا عن دائرة حمايته والحب باختيارنا وارادتنا، وسيأتي علينا شر لا نستطيع الخروج منه لأننا دوما عاجزون وبدونه لا شيء، إن قمنا برفض الرجوع والتوبة الجماعية، سيفنينا الشر وبسبب اختيارنا الحر بعيداً عنه سيحترم حريتنا ولن يمنعه، وإن لم نتوب عن طرقنا التي انكشفت وانفضحت وتعرت، سنكون كمن رفض طول أناته ومراحمه واستهان بها، وأكمل في طرقه الردية، وقال للرب ابعد وبمعرفة طرقك لا نُسَر، وسيكون ما هو آت علينا شر أكثر بكثير جداً مما فات، وسيرفع الرب يده لأننا تركناه، هذا اختيارنا وقرارنا.

وبحسب ما أتلامس معه من واقعنا المسيحي، أجد عائقين ظاهرين للتوبة والرجوع للرب، كامنين في خفايا قلوبنا

الأول: توهم أن ما حدث لكوننا شعب الله السالك معه المستحق المساندة، بدلا من أن نراه رحمة ومحبة لا نستحقها، وأكبر شر نفعله ألا نلتفت لكلمات الرب لشعبه حين أنقذ شعبه علم أنهم ربما يفكرون أن الله أفني أشرار لأجل بر شعبه، كلا، وأقر حقيقة أننا شعب غليظ الرقبة سالك في طرقة الردية:

 لا تَقُل فِي قَلبِكَ حِينَ يَنْفِيهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ: لأَجْلِ بِرِّي أَدْخَلنِي الرَّبُّ لأَمْتَلِكَ هَذِهِ الأَرْضَ. وَلأَجْلِ إِثْمِ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكَ. ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ وَعَدَالةِ قَلبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ بَل لأَجْلِ إِثْمِ أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ وَلِيَفِيَ بِالكَلامِ الذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَليْهِ لآِبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. فَاعْلمْ أَنَّهُ ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هَذِهِ الأَرْضَ الجَيِّدَةَ لِتَمْتَلِكَهَا لأَنَّكَ شَعْبٌ صُلبُ الرَّقَبَةِ. (تث 9: 4 – 6)

والثاني: وهو امر ندمنه جميعًا، وهو الاتكال على بشر، فننظر لقيادات أنها هي التي حركت الأمور ونضع رجائنا فيهم، أو نتوهم في قدرتنا على صنع التغيير ونتعامى عن فشلنا وجهلنا الذي اثبتناه لأنفسنا بالتجربة في الثلاث سنوات الماضية، وننسي كلمات الرب.

وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَنْزِلُونَ إِلَى مِصْرَ لِلْمَعُونَةِ وَيَسْتَنِدُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الْمَرْكَبَاتِ لأَنَّهَا كَثِيرَةٌ وَعَلَى الْفُرْسَانِ لأَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ جِدّاً وَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَطْلُبُونَ الرَّبَّ. وَهُوَ أَيْضاً حَكِيمٌ وَيَأْتِي بِالشَّرِّ وَلاَ يَرْجِعُ بِكَلاَمِهِ وَيَقُومُ عَلَى بَيْتِ فَاعِلِي الشَّرِّ وَعَلَى مَعُونَةِ فَاعِلِي الإِثْمِ. وَأَمَّا الْمِصْرِيُّونَ فَهُمْ أُنَاسٌ لاَ آلِهَةٌ وَخَيْلُهُمْ جَسَدٌ لاَ رُوحٌ. وَالرَّبُّ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَعْثُرُ الْمُعِينُ وَيَسْقُطُ الْمُعَانُ وَيَفْنَيَانِ كِلاَهُمَا مَعاً. (اش 31: 1 – 3)

إِنَّكَ قَدِ اتَّكَلْتَ عَلَى عُكَّازِ هَذِهِ الْقَصَبَةِ الْمَرْضُوضَةِ عَلَى مِصْرَ الَّتِي إِذَا تَوَكَّأَ أَحَدٌ عَلَيْهَا دَخَلَتْ فِي كَفِّهِ وَثَقَبَتْهَا. هَكَذَا فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ لِجَمِيعِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ.   (اش 36: 6)

وَيَعْلَمُ كُلُّ سُكَّانِ مِصْرَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِمْ عُكَّازَ قَصَبٍ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. عِنْدَ مَسْكِهِمْ بِكَ بِالْكَفِّ انْكَسَرْتَ وَمَزَّقْتَ لَهُمْ كُلَّ كَتِفٍ, وَلَمَّا تَوَكَّأُوا عَلَيْكَ انْكَسَرْتَ وَقَلْقَلْتَ كُلَّ مُتُونِهِمْ]. (حز 29: 6 – 7)

اليوم، نحن أمام اختيار، واختياراتنا كالعادة ترسم مستقبلنا، وكلمة الرب في الاذن، نحن من نختار:

أُشْهِدُ عَليْكُمُ اليَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلتُ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالمَوْتَ. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ   (تث 30: 19)

 

 

Romany Joseph
15th January 2014

 

 


[1]  يمكن مراجعة تدوين موقف الكنيسة نحو الأحداث من بالرجوع للتوثيق المنشور تحت عنوان:  توثيق للموقف الكنسي تجاه التوجهات السياسة  بمصر خلال الفترة من 2009 إلي 2014

[3]  ام تستهين بغنى لطفه و امهاله و طول اناته غير عالم ان لطف الله انما يقتادك الى التوبة (رو  2 :  4)

[4]  مز 124

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة ومصر and tagged , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to رسالة تشجيع وتحذير للكنيسة نحو الأيام القادمة

  1. كل القلب … هذه هى المشكلة… ربنا يباركك

  2. Pingback: توثيق لموقف الكنيسة الرسمية تجاه التوجهات السياسية بمصر قبل وبعد وأثناء ثورة 35 يناير (من 2009 إلي 2014) | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s