من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 27 | نمو يسوع المسيح هو نبع وسر نمو الإنسان الجديد

Jesus-Praying

كما سبق وتكلمنا، إن كانت حياة المسيح هي محور كل إعلان روحي لنا، وكل حياة نأخذها هي منه ومن تدبير الفداء الذي صنعه لأجل خلاصنا، فمن المهم أن نرى البعد المستيكي لولادة المسيح ونموه وخدمته وصلبه وقيامته وصعوده، فكل مرحلة بكل تفاصيلها حدثت لنا ولأجل خلاصنا[1]، وكل لمحة في تلك الحياة التي عاشها بالزمن في اورشليم، لها بعد خارج الزمن يحيياه الرب في كل مؤمن يولد منه بالماء والروح[2].  كما كان ميلاده سر ميلاد إنساننا الجديد، وكان موته هو سر إماتة إنساننا العتيق، وقيامته هي سر قيامتنا كلنا، كان أيضًا نموه هو سر النمو الروحي لإنساننا الجديد المولود من الله.

نحن نعي إلى حد ما أننا نأخذ من موت يسوع المسيح موتًا لخطايانا، ومن قيامته قيامة لنا، وأغلب حقائقنا الإيمانية وتأملاتنا وكنوزنا الروحية تصب في التركيز الشديد على موت وقيامة المسيح وعملهما فينا، وهذا حسن. لكننا نرتبك جدًا حين نتكلم عن ميلاد يسوع المسيح ونموه. ولعل لذلك نتيجة مباشرة.. وهي ارتباكنا في نمونا الروحي. لذا تحتم علينا أن نقف وقفة ونوضح الأمر ونزيل الارتباك؛ لكي ننال من شخص يسوع المسيح ما أعطاه لنا في نموه، تمامًا كما أعطانا من ميلاده وموته وقيامته.. فهو سر حياتنا وكل لمحة عاشها لأجلنا وليسلمها لنا.

ولنسأل أنفسنا.. هل كان المسيح ينمو على جميع المستويات وحتى على المستوى الروحي؟ الكتاب المقدس يذكر آيات تتكلم بوضوح عن أنه كان ينمو في النعمة والقامة، وسنناقشها لاحقًا.. لكن بالطبع، انطباعنا الأول أن هذا الأمر مربك بشدة.

ولكي نستوعب الأمر دعنا نتخيل الصورة العكسية، فالأمور بالتضاد تتضح. دعنا نتخيل أن الرب يسوع وهو طفل يعرف كل شيء وأنه وهو بعد رضيع قادر على الكلام منذ اللحظات الأولى للولادة، وإدراك كل شيء، يفعل المعجزات والعجائب والآيات وهو طفل، ودعونا نتخيل أن ذلك الكلام حقيقي وأن هذا هو المسيح؟

ولنسأل عدة أسئلة؟

–        هل هذا تجسد وتأنس؟ أم تمثيلية لإله كامل، اتخذ فقط جسد طفل رضيع وعقل إله ونفسية وروح رجل ناضح؟

–        هل لو كانت الأمور هكذا.. هل يكون المسيح عاش بشرية كاملة بكل مراحلها؟ أم بشرية استثنائية خارقة لا علاقة لنا بها؟

سنجد أن الإجابة التي استقرت عليها الكنيسة من خلال الكلمة المكتوبة هي أن التجسد لم يكن تمثيلية، وبالفعل المسيح عاش إنسانية كاملة بما فيها طفولة طبيعية عادية، وقد رفضت الكنيسة بعض الأناجيل ودعتها الأبوكريفا (α̉πόκρυφοσ- apocrypha)[3]  مثل أناجيل طفولة المسيح[4] كإنجيل توما وإنجيل يعقوب، تلك الأناجيل تنسب سلوكًا أسطوريًا للرب يسوع[5]، وقد حاربتها الكنيسة لأنها ضد تأنس الرب وعيشه حياة إنسانية كاملة.

إياك أن تقل لي ما لي ومال تلك الأمور اللاهوتية المعقدة، وإياك أن تتوهم أنها نظريات جوفاء. فنحن نقترب من الحياة التي أُعطيت لنا، وما نسميه لاهوتيات معقدة ينعكس على شكل حياتنا وأفكارنا نحو الله ببساطة، وبالتالي سلوكنا نحوه بصورة لا تُصدق ورغمًا عنا، سواء استوعبناه أم لم نستوعبه[6].

هل عرفنا الآن سر تلك الفجوة الكبيرة التي نشعر بها نحو الرب يسوع؟ هل عرفنا سر التنهدات اليائسة والتي تخرج من أفواهنا ونسمعها من أفواه كثيرين أمناء مشتاقين للبر ولتصور المسيح فيهم، حين تشجعهم على أن يحيوا حياة يسوع، فيقولون لك؟ “إحنا فين وهو فين…أصل دا المسيح”!! قد لا نكون مؤمنين بأناجيل الطفولة المحرفة وصورها الغير سليمة لطفولة الرب يسوع فيها، لكن قد نتصور في أذهاننا لاهوتًا مشوهًا لإله خارق بعيد، وليس متجسدًا قريبًا.. لاهوت غاب فيه حقيقة التجسد أو حدث لها تشوه، فكانت النتيجة المباشرة والخطيرة جدًا والمنطقية، ألا وهي اليأس من أن نحيا حياته ونكون مثله، فتتشوه حياتنا ويملأنا ضيق وحيرة ومرارة.

طفولة يسوع

لقد عاش المسيح طفولة طبيعية ولم يصنع معجزة واحدة في طفولته، الكتاب المقدس يقول (هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه – (يو 2: 11 (، وكلمة “آيات” هنا هي، كما جاءت في اليونانية “σημεῖον- sēmeion “، وتعني كما جاءت في قاموس  Strong؛ “معجزة، علامة، أمارة، عجيبة”

لقد اختار الكلمة أن يخلي نفسه، ويتخذ جسدًا ويتحد به، ثم ينمو الكلمة المتجسد على جميع المستويات[7]… فجسده كان ينمو… وعقله وإدراكه المنطقي كان ينمو، وانفتاحه على الآب في النعمة والقامة كان ينمو. فهو حين ولِد لم يكن يعرف الكلمات والحروف[8]، وكان ينمو ويتقوى في الروح ونعمة الله عليه[9]، وحتى نهاية حياته الأرضية وإرساليته بها لم يكن يعرف اليوم ولا الساعة[10]!

وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ مُمْتَلِئاً حِكْمَةً وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.  (لو 2: 40)[11] [12]

وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ (لو 2: 52)

 

إن الكلمات التي استخدمها لوقا البشير ليصف نمو المسيح في (لو 2: 40)، هي نفس الكلمات التي استخدمها لوصف نمو يوحنا المعمدان في (لو1: 80)[13]. هو يشير بسر إلهي في الوحي أننا بالحقيقية أخذنا من ملء المسيح نعمة فوق نعمة[14]، وأن سر نمونا وكل تفاصيل حياتنا كائنة في الكلمة المتجسد.

إن كلمة “القامة”[15] باليونانية والتي استُخدمت في (لو 2: 52)، لوصف قامة المسيح ونموه، هي نفس الكلمة التي استخدمها بولس الرسول حين تكلم في (أف 4: 13)[16] عن وصولنا نحن لملء قامة المسيح؛ ليؤكد بالروح الواحد أن نمو المسيح هو سر نمونا نحن بعد الميلاد الثاني لملء قامة المسيح.

إخلاء المسيح هو أحد أعمدة فهمنا لتدبير الفداء[17]، فهو أخلى نفسه وأخذ صورة عبد بالحقيقة[18]. ومنذ تجسد أصبحنا لا نتكلم بعد عن الكلمة فقط ولا عن إنسان فقط، بل الكلمة المتجسد[19]، والذي أخذ جسدًا واتحد به وتصاعد في النمو والامتلاء ليحل فيه كل ملء اللاهوت[20]. وهو فعل هذا لكي يصير كل ما لذلك الجسد لنا وينتقل إلينا حين يعطينا جسده[21].

للحظة نشعر أننا أمام إنسان عادي وليس الله، هذه الكلمات تربك من لا يفهم سر التجسد[22] [23] ولا يفهم أن كل هذا حدث لأجلنا، فكلمة “لأجلنا ولأجل خلاصنا”[24] هي المفتاح الذي به نربط حياة يسوع على الأرض في أيام تجسده، بحياته فينا نحن المؤمنين به والمولودين من الله. فكل ما فعله قد فعله لأجل تدبير خلاصنا[25]، وحين ندرك تلك الحقيقية المذهلة التي تسبي الكيان… سنتخلى على الصورة الأسطورية للإله “السوبر مان” الخارق، ونستبدلها بالإله “المتجسد” الذي دخل عالمنا واخترقه وعاش حياة بشرية كاملة[26] متحدة باللاهوت وأعطاها لنا بكل تفاصيلها لكي يغيرنا ويرفعنا، ولكي يدخل إلى العالم الشخصي لحياة كل واحد منا[27] بنفس الطريقة التي دخل بها إلى العالم في أيام جسده[28]، ومن خلال ذلك السر الحادث في المسيح نتحد بالله في المسيح[29].

فالمسيح لم يأتي كشخص خارق ليبهرنا، لأنه لو كان خارقًا مبهرًا بينما نحن ضعفاء منطفئين، ما كان لنا أمل أن نكون مثله[30] [31]. فالبشرية لا تحتاج “سوبرمان” يفعل الخوارق وهي تشاهده صامتة عاجزة وحيدة بعيدة. فالإله الخارق نعرفه جيدًا، وهو يسكن السماء… لكن البشرية احتاجت إلهًا متجسدًا[32]… احتاجت مَن يتنازل مِن السماء ويعيش بالحقيقة حياتها ويشاركها في كل شيء حتى نموها، وبعد أن يفعل كل ذلك أن يعطي البشر حياته بالكامل ليحيوها. وهو في محبته اختار التنازل والعلاقة الحميمة، لكي يعطي لنا جسده وحياته كي ما يكون لنا حياة وشركة ووحدة من خلال تلك العلاقة الحميمة والتنازل الذي اختاره.

لقد اختار المسيح أن ينمو في ميلاده في أيام تجسده، ينمو في جسم بشريته الذي اتخذه نموًا على كل المستويات، روحيًا ونفسيًا وجسديًا وعقليًا. وقد فعل هذا، ليس عن عجز ولا عن قصور، بل لأجل تدبير يصنعه ويتممه في جسده أولاً ثم يعطينا نحن تلك الحياة بكل تفاصيلها… لكي يكون يسوع المسيح هو سر وجوده إنساننا الجديد وسر نموه تدريجيًا وبشكل مستيكي معجزي كما نما هو، فقد جاء كرضيع ونما تدريجيًا… وحين يأتي وقت الرجولة…يبدأ المسيح ممارسة خدمته الملوكية كابن الله[33] الذي رأسه الآب، وهو نفس ما يحدث فينا حين ينمو إنساننا الجديد الذي رأسه المسيح، وتنتهي الطفولة الروحية حين نصير ناضجين ويتصور المسيح فينا[34].

قد تقول: لكنه لم يكن يحمل طبيعة عتيقة ينمو ضدها ويميتها، فكان نموه سهلاً وبلا تحديات؟ أجيبك: لقد تجسد لكي يميت كل طبيعة عتيقة مسيطرة على أولاده، ويحملها في جسده.. فقد اعتبرها طبيعته وخطيته وحملها على الصليب وأماتها، وهذه نقطة محورية في تلك استعلان ما لنا في المسيح وما فعله لأجلنا… فنحن في ذاتنا عندنا طبيعة عتيقة ننمو ضدها.. أما المسيح فلم يكن عنده طبيعة عتيقة في ذاته بالطبع… لكنه أخذ على الصليب في نفسه كل طبيعة عتيقة ليميتها ويحملها ويعطينا حياته، ليصير مجربًا ومشابهًا لنا في كل شيء، عدا الخطية التي لم يفعلها لكن حملها وجازت فيه، وقد ظل ينمو ويتقوى وفي نموه يزداد صراعه مع الخطية إلى أن يصل لملء إرساليته فيقهر الخطية في الصليب.

وهو فينا يخلق طبيعتنا الجديدة بنفس الكيفية التي كان فيها أيام جسده.. فنبدأ “أطفالاً في المسيح”، ثم ننمو تدريجيًا ويُميت هو فسادنا، فننمو فيه لنكون كاملين على صورته ونصل لملء قامته[35] ونعمل الأعمال التي يعملها وأعظم منها كما شهد هو[36].

فيا لعظم ذلك التدبير العجيب الذي أعده لنا، وصار لنا بكرًا وجعلنا إخوة كثيرين، وكان متقدمًا في كل شيء لكي نأخذ من ملئه نعمة فوق نعمة.

Romany Joseph
25th January 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  ويكرِّر أثناسيوس أنه في كل تصرُّف من هذا القبيل أو ذاك، إنما كان الدافع الوحيد هو: [من أجل منفعتنا] أو كما يضعها أثناسيوس في صيغتها اللاهوتية دائماً هكذا: [من أجل التدبير]، قاصداً تكميل العمل الخلاصي الذي تجسَّد من أجله. فكما أن المسيح تجسَّد من أجل التدبير Economia

Athanas., Discourse III, 48.

[2]   إن ما تمَّ جسديًا في مريم الطاهرة حتى تجلَّى كل ملء اللاهوت جسديًا في المسيح بواسطة بتوليتها، هذا أيضًا يتم في كل نفس تحفظ البتولية الروحية بحسب اللوغوس. غير أن الرب لا يجعل حضوره بعد جسديًا، لأننا، كما يقول بولس «لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد» (2كو 5:16)، ولكنه يسكن فينا روحيًا، بل ويحضر أباه أيضًا معه كما يقول الإنجيل (يو ١: 23)

غريغوريوس النيسي  – في البتولية 2: 2

[3]  هناك عدة عوامل أدت إلى كتابة وظهور هذه الكتب الأبوكريفية من أهمها محاولة العامة والبسطاء من المؤمنين إشباع رغبتهم ولهفتهم لمعرفة تفاصيل الأحداث التي ذكرت في أسفار العهد الجديد بصورة موجزة؛ مثل تفاصيل أحداث ميلاد المسيح ورحلة الهرب إلى مصر وطفولته والتأكيد على لاهوته من خلال معجزات تبين مقدرته على كل شيء.

[4]  ولم يذكر آباء الكنيسة الأولى أية روايات أو قصص عن شخص الرب يسوع المسيح غير الموجودة في الأناجيل القانونية (الإنجيل بأوجهه الأربع)، وقد عارضت هذه الكتب الأسطورية معارضة شديدة ورفضتها رفضًا تامًا. ولما كانت هذه الكتب رائجة بكثرة في العصور الوسطى، خاصة القرن الرابع والخامس والسادس، فقد رفضها القديس جيروم، وأدانها البابا داماسوس (366 – 384م)، والبابا أنوسنت الأول (401 – 417)، وحرمها القانون الجلاسياني، والذي وضعها تحت اسم؛ سلسلة أناجيل الطفولة الأبوكريفية المرفوضة

N. T. Apocrypha, Vol. 1. 418

[5] Jesus Selons le Caron H. Michand cahier, Theologiques  46 Edition De cachaux et Niestle Suisse P 30 – 32

[6]  لنأخذ مثالاً بسيط على حقيقة أن اللاهوت أمر معاش، فإخوتنا المسلمين لا يؤمنون بالثالوث بينما نحن المسيحيون نؤمن. قد تبدو تلك المعلومة نظرية، لكن تعال لنرى آثارها، فالله ثالوث تعني أن الله يمارس الحب في ذاته، وبالتالي حين خلق العالم خلقه ليشترك في الحب الذي فيه وتجد قضية الحب مسيطرة على اللاهوت المسيحي تمامًا، بينما تجد أن غياب فكرة “الثالوث المُحِب” انعكس على اللاهوت الإسلامي بغياب وضبابية فكرة الحب، وهكذا نعي أن أبسط الأمور اللاهوتية التي تبدو معقدة، تصنع فارقًا ضخمًا في فهمنا لشخص الرب، وكنتيجة تصنع فارقًا في سلوكياتنا.

[7]  فللمسيح وعي مفتوح على الآب ينمو ويتدرَّج في النمو وبقدر ما يتسع للمعرفة تُزيده المعرفة اتساعًا، ولم يكن للمسيح إلاَّ التركيز على الاستيعاب بقدر ما تتدفَّق المعرفة في قلبه المفتوح، فكان كمَن يقرأ في كتاب. والمسيح لمَّا كان يتكلَّم لم يكن يتكلَّم كمَنْ يأخذ من مستوى أعلى بل كمَن ينفتح وعيه ليتسلَّم ما هو لائق وعلى مستوى وعيه. ولا ينبغي أن ننسى أن المسيح هو”كلمة الله“، بمعنى أنه كان القوة الإلهية الواعية والناطقة، ونطقها فاعل. فالكلمة هي كلمة وفعل بآن واحد. فالجسد كان يرتفع جاهدًا ليكون على مستوى ما للمسيح من وعي لا نهائي، الذي كان يعبِّر عنه أنه ليس من نفسه كان يتكلَّم بل كما يسمع كان يتكلَّم. وكما يرى يفعل!

الأب متي المسكين – المسيح: حياته وأعماله – الجزء الأول: حياة المسيح منذ ميلاده حتى بدء الخدمة – ص 55

[8] أمَّا من جهة القدرة على المعرفة المطلقة بالكليات بحسب طبيعة الابن، فمعلوم يقينًا أن كل ما يعمله الآب يعمله الابن، فجوهر الطبيعة واحد في الآب والابن؛ إنما الذي حجز المعرفة عن الابن هي مشيئة الابن نفسه في التخلي، أو الإخلاء، الذي استخدمه ليظهر في الهيئة كإنسان لتكميل الطاعة حتى الموت أولاً؛ وبالتالي ليستطيع أن يقول عن حق إنه لا يعلم تلك الساعة!! أي بخصوص أعمال ما بعد الفداء، أي فيما يخص الدينونة، في حين أنه كان عالمًا تمامًا بساعة موته على الصليب «قد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان» (يو 23: 12). وهكذا يظهر تمامًا أن معرفة الابن كانت تُستمد من الآب في حدود الرسالة الموضوعة أمامه، وإلاَّ يستحيل فهم طاعة الابن للآب.

الأب متي المسكين – حياة أثناسيوس الرسول – القسم اللاهوتي – الفصل السادس – النظرة للمسيح كإنسان

[9]  فانفتاح الذهن والعمق الروحي على معرفة الله وتقبّل روح الحكمة لترافق النمو في القامات الجسدية أمر هام للغاية لأن بَدْء عمل اللاهوت انتظر حتى بلغ المسيح الثلاثين من عمره، أي حين أكمل كل القامات البشرية بكل حكمة ورزانة، لا لمنفعته الخاصة وحسب، ولكن لكي يسلِّمنا هذه القامات جميعًا مقدَّسة وبحالة روحية كاملة ونعمة.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل ق. لوقا – الإصحاح الثاني – أية 39 و40، ص 140

[10]  نظرة أثناسيوس – من جهة بشرية المسيح – نحو معرفة اليوم والساعة الأخيرة، (بخصوص ما جاء في إنجيل مرقس 32:13، لوقا 52:2): وهي النصوص التي اعتمد عليها الأريوسيون في تدعيم ادعائهم أن المسيح كابن الله وكلمته، وحتى من جهة لاهوته، كان يجهل تحديد ميعاد اليوم الأخير وبالتالي التاريخ المستقبلي.
وكان رد أثناسيوس في حديثه الثالث ضد الأريوسيين الذي استغرق اثني عشر فصلاً متصلاً([1])، والذي كان محور الدفاع فيه أن ما جاء في الإنجيل بهذا الخصوص لم يكن عائداً على”اللوغس“ كلمة الله في ذاته كابن الله، فهذا افتراء! ولكن كان منصبًا على الابن المتجسِّد في حالة تجسُّده كابن الإنسان.

ويمكن تلخيص ما جاء في هذا الدفاع في النقاط الآتية([2]):

1 – قول الرب: «وأمَّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاَّ الآب»، لم يذكر الروح القدس؛ فإذا كان الروح القدس يعلم باليوم والساعة، فالابن يعلم بهما باعتباره ”الكلمة“، لأن الروح القدس يأخذ مما للمسيح.

2 – إذا كان الابن يعرف الآب، فحتمًا يعرف كل ما يعرفه الآب.

3 – إذا كان الابن له كل ما للآب، فحتمًا يعرف اليوم والساعة.

4 – الذي خلق كل الأشياء، يعلم متى تنتهي، والذي كان يعلم علامات ما قبل اليوم والساعة بدقة، لم تكن تُخفى عليه الساعة نفسها (إلاَّ بإرادته وحده).

5 – المسيح كان يعلم ولكن ليس بصفته ابن البشر (متى 42:24)، فكان هنا يتكلَّم بشريًا.

6 – المسيح قال إنه لا يعلم، لأن في ذلك منفعتنا، حتى نكف عن حب استطلاع المواعيد، كما جاء في سفر الأعمال 7:1.

7 – كما كان يتقدَّم في القامة والحكمة عند الله والناس، كذلك كان اللاهوت يُستعلن فيه أكثر فأكثر بتقدم الزمن.

ولقد احتدم الجدل اللاهوتي حول هذا الموضوع عند الآباء بعد أثناسيوس، ولكن ظل معظم الآباء اللاهوتيين على رأي أثناسيوس. لكن يلزمنا هنا أن نوضِّح رأينا في الخلفية اللاهوتية الدقيقة، التي كان يتحرَّك فكر أثناسيوس في إطارها، فالجهل باليوم أو المعرفة به لم تكن متصلة بمفهوم طبيعته، لأن اللاهوت والناسوت في المسيح لم يعتريهما افتراق لا لحظة ولا طرفة عين، في كل ما يختص بشخصه وفكره وقوله وعمله ومعرفته؛ ولكن الذي كان يتغيَّر وينمو هو ما يختص برسالته.

فرسالة التجسُّد التي تختص بالفداء وتنتهي عنده، ليس لها أن تتداخل في رسالة الدينونة، وهذا أوضحه الرب بقوله: «إن ابن الإنسان لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلِّص العالم»، مع أنه في موضع آخر قال إن الدينونة أُعطيت للابن: «لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن» (يو 22:5)، وهنا يتضح أن للخلاص زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن للدينونة زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن الابن – كما أُرسل للفداء – سيُرسَل للدينونة، وكلا الإرساليتين من الآب. فالابن، وهو في حال عمل الفداء، له أن يقول -عن حق- بمقتضى التدبير إن يوم الدينونة والساعة الأخيرة ليست حالئذ في دائرة عمله، أي لم يُعطَ بعد عملها -من الآب- وبالتالي ميعادها.

لأن المسيح أوضح جدًّا في مواضع سابقة، أنه لا يعمل إلاَّ كما يريه الآب، وكما يعلِّمه الآب، وكما يقول له الآب، ومن نفسه هو لا يعمل شيئاً! «الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاَّ ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك» (يو 19:5). وهذا من صميم مفهوم الإخلاء، حتى يكمل كل حدود الطاعة حتى الموت على الصليب.

وهكذا يتضح تمامًا أن المسيح بقوله إن”الابن“ لا يعلم ذلك اليوم ولا تلك الساعة إلاَّ الآب، إنما يتمشَّى تمامًا مع رسالة الابن وهو لم يكمل بعد رسالة الفداء على الصليب.

ويمكن تلخيص نظرية أثناسيوس من نحو هذه القضية في جملة عقائدية مختصرة وبديعة نضعها هكذا:

إن المسيح، إذا شاء، يعلم كما يعلم الله، وإذا شاء، يجهل كما يجهل الإنسان!! أو أنه كان يعلم كالله ويجهل كإنسان إنما حسب ضرورة الفداء، لأنه لمَّا تجسَّد لم يفقد شيئًا مما هو له كإله، ولا أخلَّ بما هو للإنسان. فلمَّا قال: «إن الابن لا يعلم هذا اليوم ولا تلك الساعة»، أثبت كمال ما هو لتجسُّده في حدود رسالة الفداء التي تنتهي عند ساعة الصليب، وليس عند ساعة الدينونة، ولكن جهله بساعة الدينونة باعتباره الذبيحة التي تتهيَّأ للموت على الصليب، يزيد من عظمة إخلائه لذاته، وهو كإله أُعطي كل الدينونة.

ولا يغيب عن بالنا قط، ونحن في هذا المضمار، أنَّ من دوافع التجسُّد الأصيلة قبول الجهالة التي للإنسان: «مولوداً من امرأة تحت الناموس»، حتى يستطيع أن يكمِّل الناموس، أي أن اتجاه التجسُّد هو إلى التواضع والتنازل إلى كل ما هو للإنسان، وليس التطلُّع إلى التفوُّق والامتياز الذي”للكلمة“، بالرغم من أنه استخدم هذا التفوُّق والامتياز الإلهي الذي للكلمة، الذي هو لاهوته، عند الضرورة في لحظات المصادرة أو لإثبات شخصيته والإعلان عن رسالته.

ويكرِّر أثناسيوس أنه في كل تصرُّف من هذا القبيل أو ذاك، إنما كان الدافع الوحيد هو: [من أجل منفعتنا]([3]) أو كما يضعها أثناسيوس في صيغتها اللاهوتية دائمًا هكذا: [من أجل التدبير]، قاصدًا تكميل العمل الخلاصي الذي تجسَّد من أجله. فكما أن المسيح تجسَّد من أجل التدبير Economia، كذلك فإن جهله لليوم وللساعة الأخيرة هو من أجل التدبير سواء بسواء، لأن على قياس وغاية التجسُّد يتحتَّم فهم كل عمل وقول وتصرُّف أتاه المسيح، وكل تدبير هو -من جهة- يقوم على حجب اللاهوت في محدودية الناسوت، ومن جهة أخرى يقوم على استعلانه اللاهوت من داخل محدودية الناسوت، ولكن كلاًّ في موضعه، بحسب حدود دور الرسالة التي جاء يكمِّلها في طاعة الآب

الأب متي المسكين – حياة أثناسيوس الرسول – القسم اللاهوتي – الفصل السادس – النظرة للمسيح كإنسان

[11]  . وهكذا أظهرت قصة زيارته للهيكل وهو في سن الثانية عشرة نضوج إحساسه بأبوَّة الله له، وإحساسه بنفسه أنه ابن الله، وابتدأ يفرِّق بشدَّة بين علاقته » بأبويه «وعلاقته بأبيه السماوي، إذ ابتدأ ينسلخ من الأُولى لينضم للثانية » ينبغي أن أكون في ما لأبي. «(لو 49:2)

وبالاختصار، فإن قصة يسوع وهو في الهيكل كشفت قدرته الفائقة في التعلُّم والمعرفة والسلوك التي بدأت تخط خطوطها لتصنع منه معلِّم المستقبل. ولكن القصة بكل ملابساتها لا توضِّح نوعاً من التفوُّق البشري على مستوى الألوهة، لأن كل الانفعالات البشرية واضحة أنها تعمل لاستكمال القامة البشرية فيه وليس للخروج عنها لإعلان ما هو إلهي فيه. وواضح بلا شك أن عوامل الألوهة كانت كامنة فيه ومكبوتة تحت تدبير الله وعمله، عكس كل كتابات الأبوكريفا التي تَنْسِب إليه عمل المعجزات وهو صبي.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل ق. لوقا – الإصحاح الثاني – مقدمة شرح (2: 41-52)  ص 141

[12]  أن يُقال أن “الطفل كان ينمو ويتقوي بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه”   هذا الكلام ينبغي أن يؤخذ علي أنه يشير إلي طبيعته البشرية، وأرجوا ات تتفحصوا باهتمام في عمق التدبير، فالكلمة يحتمل ويقبل أن يولد في صورة بشرية رغم انه في طبيعته الإلهيه ليس له بداية ولا نهاية وليس خاضعًا  للزمن، والذي هو إليه كامل تمامًا من كل ناحية يخضع للنمو الجسدي، وغير الجسدي، صارت له أطرف تنمو مع نمو بشريته، والذي هو نفسه الحكمة كلها، كان يمتلئ بالحكمة، وماذا نقول عن هذا، فالذي كان في صورة الآب قد صار مثلنا، والغني اخذ صورة الفقر والعالي أخذ صورة الاتضاع، والذب له الملء يقال انه ينال ويأخذ، وهكذا فإن الله الكلمة أخلي نفسه، لان الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تظهر طريقة إخلائه، لأنه كان امرًا مستحيلاً بالنسبة للكلمة المولود من الله أن يسمح بمثل هذه الأشياء أن تكون في طبيعته الخاصة، ولكن حينما صار جسدًا أي صار إنسانًا مثلنا، فإنه حينئذ وُلد حسب الجسد من امرأة، وقيل أنه كان خاضعًا للأمور التي تختص بحالة الإنسان، ورفم أن الكلمة لكونه اله كان يستطيع ان يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرة واحدة، إلا ان هذا لو حدث لكان امرًا غريبًا جدًا واعجازيًا، ولذلك فإنه جعل جسده يخضع لعادات وقوانين الطبيعة البشرية

القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل لوقا – ص 51 و 52  – الاصحاح الثاني – 40 – 52 – ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس – د. نصحي عبد الشهيد  – طبعة عام 2007

[13]   أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لِإِسْرَائِيلَ. (لو 1: 80)

[14]   وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. (يو 1: 16)

[15] G2244

ἡλικία

hēlikia

hay-lik-ee’-ah

From the same as G2245; maturity (in years or size): – age, stature.

http://www.blueletterbible.org/lang/lexicon/lexicon.cfm?Strongs=G2244&t=KJV

[16]  إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (أف4: 13)

[17]  إخلاء الذات يعني أن لا يتصرف الابن من موقع القوة، وأن لا يعتمد على خصائص اللاهوت وقدراته، بل يعتمد على خصائص الحياة الإنسانية، ولذلك رافق إخلاء الذات الرب، لكننا يحب ألاَّ ننسى أن اتضاع الرب لا يعني أن لاهوته قد توقَّف عن العمل، أو أنه فَقدَ خصائص اللاهوت، وإنما – بحريته وإرادته – كان يتصرف وفق الظروف التي يمر ﺑﻬا. ويكفي أن نقارن بين مجد التجلي، والبكاء والعرق والحزن في بستان جثسيماني (لوقا ٢٢ : 42 و عبرانيين 5: 17 ) كان المسيح على الجبل في حالة ﺑﻬاء، جعل ملابسه تلمع ببهاء أكثر من الشمس، وكان هو نفسه في البستان في حالة حزن شديد، (متي  26: 37 – 38)، ولذلك علينا أن ندرك –بوضوح– تلك المبادئ التي تمكِّننا من فهم هذه الأحداث التي تبدو متناقضة.

جورج حبيب بباوي – المدخل للاهوت الأرثوذكسي – ص 125

[18]  على الرغم من أن الرب اتخذ صورة العبد، إلاَّ أنه لم يفقد إلوهيته، وعندما اتَّحد بالطبيعة الإنسانية لم يتصرَّف مرةً وفق الطبيعة الإنسانية، وأخرى وفق الطبيعة الإلهية. ذلك أن كل مَن يتصور مثل هذه الصورة لا يدرك أن الطبيعتين اتَّحدتا في شخص واحدٍ، وأن مركز شخصية المسيح هو لاهوت الله الكلمة، فليس المسيح في اثنين، ولا هو شخصين في شخص واحد. وإنما هو الله الكلمة الذي اتحد بكل مكونات الناسوت.

جورج حبيب بباوي – المدخل للاهوت الأرثوذكسي – ص 126

[19]  هذا الكلمة الذي تجلّى لجميع البشر، وبصورة مميّزة لجماعة اسرائيل، عزم على أن يزرع خيمته وسط البشر. “صار الكلمة بشرًا”. لا يتوقّف يوحنا فيتحدّث عن مولد يسوع العجيب، ولا يذكر أسماء الأشخاص والأمكنة. بل ذهب إلى الجوهر فشدّد على العبور التاريخي الذي فيه صار الكلمة الأزلي بشرًا، أخذ جسدًا. ومنذ اللحظة التي فيها لُفظت مفردة “بشر”، اختفت مفردة “الكلمة” بشكل نهائي. بعد ذلك الوقت، لن نرى إلا “اللحم والدم” في ضعفه بل في ضيقة (يسوع عطش، جاع، اضطرب، تشوّه.) استعمل يوحنا مرارًا كلمة “انسان” فتفوّق على سائر الإنجيلين. فالتجسّد في نظره ليس “تظاهرًا” بل حقيقة وواقع. لا شكّ في أن الكلمة لم يُلغَ في الإنسان، ولكن على البشر أن يروا في سماته البشرية مجد الله. شهدت جماعة المسيحيين الأولين أنها قد رأت “مجده “

العلامة بولس الفغالي –  يسوع كلمة الله مع القديس يوحنا – ص  8

[20]  فمنذ ميلاد المسيح، والمسيح يستجمع في ذاته كل ما يؤهِّل الإنسان في شخصه ليقف بالنهاية أمام أبيه بلا لوم في المحبة لمدح مجد نعمته التي أنعم بها لنا في المحبوب يسوع! ويرث فيه كل ما للآب. والآن على الإنسان وكل عالِم ومتعلِّم أن يقيس بكل قياس النعمة والروح والبصيرة المفتوحة ماذا كان يعوز المسيح لكي يتمِّم هذا ويبلغ بالإنسان الخاطئ إلى هذا القدر الفائق؟!

الأب متي المسكين – المسيح: حياته وأعماله – الجزء الأول: حياة المسيح منذ ميلاده حتى بدء الخدمة – ص 57

[21]  يستمر أثناسيوس في شرحه وتعليله لقيمة اتخاذ الكلمة جسدًا بشريًا كاملاً ليعمل فيه عمله الخلاصي العجيب، موضِّحًا أن كل ما ”للكلمة“ صار للجسد البشري الذي اتخذه لنفسه، وهذا بالتالي كله انتقل إلينا لمَّا أعطانا جسده.

الاب متي المسكين – القديس أثناسيوس الرسول  – القسم اللاهوتي – الفصل الخامس – الإنسان والخلاص في اللاهوت عند أثناسيوس

[22]  لذلك لا تعثروا في أنفسكم وتقولون كيف يُمكن أن الله ينمو، وكيف ينال حكمة جديدة ذلك الذي يعطي الحكمة للملائكة والبشر، فتأملوا السر العظيم الذي يعطي لنا. لأن البشير الحكيم (يقصد لوقا) لم يُقدم الكلمة في طبيعته المجردة غير الجسدية، ولم يقل عنه وهو في هذه الحالة أنه يزداد في القامة والحكمة والنعمة، ولكن بعد أن أوضح أنه قد ولد في الجسد من امرأة واخذ شكلنا، فحينئذ ينسب إليه هذه الخصائص البشرية، ويدعوه طفلا ويقول انه يتقدم في القامة، إذ نما جسده قليلاً قليلاً خاضعًا للقوانين الجسدية.

وهكذا أيضا قيل أنه كان يتقدم في الحكمة، لا كمن ينال مؤونات جديدة من الحكمة، لأنه الله معروف بأنه كامل تمامَا في كل شيء، ولا يمكن بالمرة أن يكون ناقصًا في أي صفة مناسبة للاهوته – بل ازدياده في الحكمة هو بسبب ان الكلمة اظهر حكمته بالتدريج بما يناسب مرحلة العمر التي يبلغها الجسد.

اذن فالجسد يتقدم في القامة والنفس تتقدم في الحكمة لان الطبيعة الإلهية غير قابلة لا للازدياد في القامة ولا في الحكمة، اذ أن كلمة الله كامل تمامَا، ولذلك فانه لسبب مناسب ربط بين التقدم غي الحكمة ونمو القامة الجسدية بسبب أن الطبيعة الإلهية أعلنت حكمتها الخاصة بما يتناس مع قامة النمو الجسدي.

القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل لوقا – ص 51 و 52  – الاصحاح الثاني – 40 – 52 – ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس – د. نصحي عبد الشهيد  – طبعة عام 2007

[23]  يجزع البعض من الكلمات التي تنسب للمسيح عدم المعرفة أو النمو أو كل الأفعال الإنسانية، ولا أعلم لما نجزع منها ونحن نقر أن رئيس الحياة قد مات. أعتقد السبب هو التعود، فنفس المنطق الذي يقف متحفظًا على نمو الرب وهو الإله الكامل، بالحري يجب ان يتحفظ أيضًا على موته وهو رئيس الحياة.. والسر الذي يفسر كليهما هو الإخلاء الذي قام به الرب ليتنازل ويشاركنا إنسانيتنا ويتحد بنا ثم يرتفع بها.

فيجب أن نعي أن تجسد الرب هو أعظم عمل حدث في تاريخ البشرية، وكما نعظِّم موته وهو الحياة. لأن ذلك حدث لأجلنا. يجب أن نعظِّم نموه وهو الكامل، لأن هذا ايضًا حدث لأجلنا.

[24]  وُضِعت تلك العبارة في قانون الإيمان بمجمع نيقية قبل شرح أعمال تجسد الابن، لكي توضح العلة والسبب التي لأجلها تجسد الكلمة. وقد سبقت تلك الكلمة أو ما يعادلها أغلب آيات الكتاب المقدس التي تتكلم عن تدبير الفداء وسر التجسد

[25]  راجع نقطة 1

نقلاً عن “ الأب متي المسكين – حياة أثناسيوس الرسول – القسم اللاهوتي – الفصل السادس – النظرة للمسيح كإنسان

[26]  ندرك من لوقا 2: 40 أن حياة يسوع من طفولته إلى شبابه كانت شبيهة بحياة الإنسان العادي ما خلا أنها كانت كاملة، ففيه تحقق مثال الإنسان الكامل الذي إرادة الله أن يكون مثالا للبشر في كل مراحل حياتهم ومع أنه عاش في بيت وضيع مع مريم ويوسف وربما أيضا مع إخوته وأخواته المذكورين في الكتاب إلا أن حياته كانت في كل الأوقات والظروف متفقة تماما مع إرادة الله (لو 2: 52). ويظهر جليا أنه شعر في سن مبكرة أنه ابن الله الوحيد (لوقا 2: 49).

ويبدو جليا من لو 2: 46 و 47 أنه بدأ في حداثته المبكرة وفي سن صغيرة يدرس العهد القديم دراسة عميقة واسعة. ومع أنه يبدو أن يوسف مات لهذا بدأ يسوع يعمل كنجار بجد واجتهاد كي يعين أمه وإخوته في شؤون معيشتهم (مت 13: 55 و 56). إلا أنه أعطي وقتا كافيا للتأمل ودراسة الكتب المقدسة والصلاة.
وإننا لا نجد في العهد الجديد الكثير عن طفولية الرب يسوع ما عدا هذه الإشارات البسيطة والقول الوارد في لوقا 2: 52 ” وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس “.

قاموس الكتاب المقدس – مجمع الكنائس الشرقية – الصفحة ٨٦٥

[27]  نظراً لان اللوجوس أخذ جسدًا بشريًا..لذلك صار داخلنا

القديس كيرلس الكبير – الكنز في الثالوث 12 – PG 75, 204

نقلاً عن كتاب التجسد الالهي في تعليم القديس كيرلس الكبير – إصدار دير أبي مقار – ص  32

[28]  من المبادئ العقائدية السائدة عند القديس كيرلس الكبير التي يعود إليها في جميع كتاباته، أن الاتحاد الأقنومي الذي تم في المسيح بين اللاهوت والناسوت هو أساس ووسيلة اتحادنا نحن بالله، وبهذه العقيدة الروحية يرتفع كيرلس من مستوى الجدل العقائدي في الدفاع عن الاتحاد الأقنومي إلى مستوي الخبرة الروحية السرية لهذا الاتحاد الفائق الوصف الذي هو الغاية التي من أجلها جاء المسيح على الارض

الأب متي المسكين –  كتاب التجسد الالهي في تعليم القديس كيرلس الكبير – إصدار دير أبي مقار – ص 34

[29]  السر الذي حدث في المسيح هو وسيلة اتحادنا بالله (قول 19)

القديس كيرلس الكبير – تفسير يوحنا 17: 20– PG 75, 577

نقلا عن كتاب التجسد الالهي في تعليم القديس كيرلس الكبير – إصدار دير أبي مقار – ص  32

[30]   لأن الجسد لم يقلّل من مجد الكلمة، حاشا: بل بالأحرى فإن الجسد نفسه قد تمّجد بالكلمة. والابن الكائن في صورة الله، أخذ صورة عبد، وهذا لم يُنقص من إلوهيته، بل هو بالأحرى قد صار بذلك مخلِّصًا لكل جسد ولكل خليقة. وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكى يؤلهنا في ذاته. وقد صار (جسدًا) من امرأة ووُلد من عذراء كى ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضُلِّلنا، ولكى نصبح بذلك جنسًا مقدسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط4: 1) كما كتب بطرس المُطوب. وما “كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو3: 8).

رسالة أبينا القديس أثناسيوس إلى أدلفيوس المعترف – فقرة 4

[31]  أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. (ايو 3: 2)

[32]  إذن، فالكلمة أخذ جسد، لأجل تحرير كل البشر، ولإقامة الجميع من بين الأموات، ولكي يصنع فداءً من الخطايا. فأولئك الذين يستخفون بهذا الأمر (الجسد)، أو الذين بسبب الجسد يتهمون ابن الله بأنه مصنوع أو مخلوق، كيف لا يظهر أنهم جاحدون للنعمة ومستحقون لكل اشئمزاز ونفور؟ فكأنهم بذلك يصرخون قائلين لله: لا ترسل ابنك الوحيد الجنس في الجسد، ولا تجعله يتخذ جسدًا من عذراء لكيلا يفتدينا من الموت ومن الخطيئة، ولا نريده أن يصير في الجسد لكي لا يقاسى الموت من أجلنا، ولا نرغب في أن يصير في الجسد لئلا يصير بهذا الجسد وسيطًا لنا للدخول إليك فنسكن في المنازل التي في السموات. فلتغلق أبواب السماوات، لكيلا يكرّس لنا كلمتك الطريق في السماوات بواسطة الحجاب الذي هو جسده. هذه هي الأقوال التي يتفوه بها أولئك الناس بجرأة شيطانية، وهي ادعاءات اخترعوها لأنفسهم نابعة من حقدهم. لأن الذين يرفضون أن يعبدوا الكلمة الصائر جسدًا، هم جاحدون لنعمة صيرورته إنسانًا. والذين يفصلون الكلمة عن الجسد، لا يحسبون أنه قد حدث فداء واحد من الخطيئة، ولا يحسبون أنه قد تم اندحار للموت.

رسالة القديس أثناسيوس إلى أدلفيوس المعترف – فقرة 5

[33]  هنا يودِّع المسيح مرحلة الطفولة وذكريات الطفولة حينما بلغ الاثني عشر، وهو السن الذي يبلغ فيه الصبي اليهودي تعلُّم التوراة ويُكرَّس ابنًا للتوراة، ليتهيَّأ للدخول في سن الشباب والرجولة وهو كامل المعرفة بتراث أجداده الروحي وعلاقته بالله. ولكن هنا الصبي يسوع ابتدأ يظهر فيه امتياز الحكمة والنعمة في معرفة التوراة مبكِّرًا، وظهر هذا بوضوح لعلماء اليهود في الهيكل لمَّا بدأوا يسألونه ويتقبَّلون جوابه. كما ظهر فيه حنينه إلى الهيكل بيت الله الذي أدرك بانفتاح وعيه أنه ”بيت أبيه“. كما بدأت علاقته بالله ينكشف فيها إحساسه أن الله أبوه. وهكذا أظهرت قصة زيارته للهيكل وهو في سن الثانية عشرة نضوج إحساسه بأبوَّة الله له، وإحساسه بنفسه أنه ابن الله، وابتدأ يفرِّق بشدَّة بين علاقته» بأبويه «وعلاقته بأبيه السماوي، إذ ابتدأ ينسلخ من الأُولى لينضم للثانية » ينبغي أن أكون في ما لأبي «(لو 49:2).

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل ق. لوقا – الإصحاح الثاني – (ز) زيارة المسيح للهيكل ص 143 – المقدمة قبل شرح الآيات

[34]    وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. (1كو 11: 3)

[35]  فالجسد الذي أخذه المسيح هو البشرية الجديدة حقًا، مولودة من الروح القدس ومن العذراء التي قدَّسها الله بالروح القدس لكي يأخذ منها جسدًا مقدسًا. هذا الجسد هو في الحقيقة جسدنا الجديد. وابتدأ المسيح يتدرَّج بهذا الجسد ليكون بالفعل خليقة جديدة بأعمال وأفكار جديدة وحياة جديدة.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني – ص 85

[36] اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. (يو 14: 12)

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 27 | نمو يسوع المسيح هو نبع وسر نمو الإنسان الجديد

  1. Pingback: من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 28 | كيف يتم النمو | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s