من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 28 | كيف يتم النمو

dr_ayurveda1

لقد وضح الله في الأمور المادية الملموسة حولنا أسرار عالم الروح، واستخدم الرب يسوع المسيح الأمثال في شرح أمور الملكوت، لأن العالم المادي يحمل في ظواهره المنظورة أسرار عالم الروح الغير منظورة[1]، وقد ذكر السيد المسيح مثلاً على نمو الملكوت (مُلك الله فينا) وتكلم بولس الرسول عن نفس الأمر:

قَالَ: «هَكَذَا مَلَكُوتُ اللَّهِ: كَأَنَّ إِنْسَاناً يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلاً وَنَهَارًا وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ ،لأَنَّ الأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلاً نَبَاتًا ثُمَّ سُنْبُلاً ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ. (مر 4: 16 – 28)

فَقَالَ: «مَاذَا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ اللهِ وَبِمَاذَا أُشَبِّهُهُ؟ يُشْبِهُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَأَلْقَاهَا فِي بُسْتَانِهِ فَنَمَتْ وَصَارَتْ شَجَرَةً كَبِيرَةً وَتَآوَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ فِي أَغْصَانِهَا». (لو  13: 18 – 19)

فَمَنْ هُوَ بُولُسُ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا وَكَمَا أَعْطَى الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ: أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى لَكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي. إِذاً لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي. وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ بِنَاءُ اللهِ. (1كو 3: 5 – 9)

 

واضح أن النمو الروحي مثل نمو النباتات ونمو جسدنا البشري، حيث وضع الله في النمو المادي سر النمو الروحي وصورته الغير منظورة، فهو يحدث تلقائيًا دون أدني تدخل بشري بسبب الحياة المعطاة من الله والكائنة في المخلوق الجديد، فالله هو الذي ينمي كما قال الكتاب، ولعل هذا الأمر مربك بشدة لكثيرين، فكثيرًا ما سمعنا عظات وقرأنا كتب تتكلم على دور الإنسان في النمو، وتشير بأن النمو يتوقف على الإنسان، بينما الكتاب المقدس لا يقول ذلك على الإطلاق، وسر الارتباك في تلك النقطة هو الخلط بين الطعام اللازم لكل مرحلة لكي نكون في صحة وقوة، وبين النمو نفسه؛ فالنمو سيحدث من الله، لكن الطعام هو الذي سيحدد صحتي وحالتي وأنا أنمو.

واضح أيضًا أن النمو – وإن كان تدريجي – لكن به مراحل فاصلة وسماتها مختلفة. ففي الطفولة المبكرة يتغذى الطفل على اللبن، ويكون هذا هو الطعام الذي يبني تلك المرحلة. وتدريجيًا يبدأ الطفل في النمو فيتغير طعامه. وكنتيجة تلقائية لنموه، تتغير حركته ونشاطاته واستيعابه للأمور ويبدأ النمو يحدث تدريجيًا شيئًا فشيئًا إلى أن يصبح ناضجًا. ورغم التدرج، لكن توجد نقلة واضحة بين الطفولة والنضج نستطيع أن نميزها، لذا فإن كان في النمو مراحل كثيرة، لكن يوجد مرحلتان كبيرتان، وهما مرحلتي الطفولة والنضج.

مرحلة الطفولة مرحلة “بناء وأخذ”، الطفل فيها يكون فيها في حالة “استقبال” لأجل بناء كيانه الشخصي وتكميل حياته، فالطعام والتعليم والتربية وكل أمر يصب في بنائه وتأهيله للحياة الحقة. وتدريجيًا يتوقف الجسم عن النمو بالصورة التي كان ينمو بها في الطفولة، ويتحرك الإنسان أن يكون في مرحلة النضج.

أما في مرحلة النضج فهي مرحلة “بذل وعطاء”، فيها يكون الناضج أو الرجل البالغ (روحيًا) في حاله “إرسال” لأجل بناء الآخرين وتكميل حياتهم، فهو شخص مكتمل مؤهل ليمارس الحياة. حتى خلايا الجسم التناسلية حين يأتي زمان النضج تنمو وتنضج لتعلن أن الشخص قد أتى زمن إثماره. وحركة الإنسان الناضج من طعام وعمل وزواج وإنجاب كلها تصب في اتجاه رسالة ناضجة يكون فيها الشخص الناضج مصدر عطاء وتكميل للآخرين.

أثناء النمو، يحدث تغير في كيان الإنسان.. فهو في نموه يتحول تدريجيًا من الأخذ شيئًا فشيئًا إلى العطاء شيئًا فشيئًا، لاحظ أن ما كان يُشبع الطفل ويبنيه مصدره هو رعاية الوالدين، من حماية واهتمام وتدليل وعطايا. بينما حين ينضج، يتغير ما يُشبعه ويتبدل ليصبح أمرًا آخر تمامًا. فما يُشبع الناضج أن يكون له رأي يُحترم وأن يشترك في البيت ويكون مثمرًا. بل أن الناضج يرى رفاهية الحماية والتدليل من الأبوين لهي إهانة لنضجه!

كذلك في ميلادنا الثاني من فوق، تكون البداية هي طفولة بها الارتماء الكامل الله الآب الذي يعتني ويدلل، يرعى ويحمل على الركب لكي ننمو ونتقوى بالروح ونمتلئ بالنعمة. وتدريجيًا يُنمِّينا لكي نتحول من أطفال لناضجين مثمرين وشركاء في طبيعته ومشابهين صورة ابنه يسوع المسيح، البكر بين أخوة كثيرين[2]، أصحاب رسالة عالية ودعوة سماوية مقدسة.

لو نظرنا ليسوع المسيح سنجده عاش المرحلتين لأجلنا كما تكلمنا في المقالة السابقة، ونما فيهما لأجلنا[3]. وحين مارس خدمته الملكوتية، تعامل مع شعبه بنفس الطريقة التي هيأها لهم في جسده، فقد أدخلهما لنفس مراحل حياته بطريقة مستيكية. لقد أعطى شعبه حياة جديدة من طبيعته، لكل واحد باسمه مِمَن قبلوه، ونما بهم تدريجيًا بنفس الطريقة التي نما بها هو، حتى أتى بأبناء كثيرين للمجد.

لذا نجد أن يسوع في بداية خدمته صنع الكثير من المعجزات الخارجية (شفاء جسدي وإشباع)، لقد اعتبر شعبه في بداية علاقة، كأنهم مولودين في الطفولة وراعى مرحلتهم الطفولية التي ترتمي علي الله وتطلب منه لحياتها، وكان معجزاته وكلماته هي بمثابة اللبن الذي يعطيه لهم وهم أطفال. وكلما زاد نموهم في المسيح، نجد أمرين من المفترض أن يتحركا سويًا. نجد طلب المعجزات التي يصنعها يسوع المسيح داخلهم أكثر من المعجزات التي تحدث حولهم، لأنه مع النمو يدرك الإنسان أن الحياة أفضل من الطعام[4]. لذلك، ولكي يوجههم يسوع إلى نموهم مع مرور الوقت، نجد أن يسوع عاتب مَن يتبعوه من شعبه، لأن سر تبعيتهم أنهم أكلوا الخبز فشبعوا (يو 6: 26). وقرب الصليب وبخ طالبي المعجزات وقال أنه ليس عنده إلا آية يونان (معجزة الموت والقيامة لطالبيه) ثم تركهم ومضى (مت 16: 4). ونجد أن شعبه بعد القيامة بالحقيقة صاروا صورته، وصاروا يسلكون كما سلك هو، فقد عبروا به وفيه مراحل كثيرة من النمو إلى أن نضجوا وصاروا على صورته.

لذا، فإن هناك رباطًا سريًا بين نمو يسوع المسيح الذي أكمله في جسده، وأعطاه لنا، وبين نمونا نحن وكان ذلك واضحًا في تعاملاته مع شعبه. ومنه نفهم مراحل نمونا وكيف تتم وكيف يتعامل يسوع المسيح معنا. فالوعي بمراحل النمو هام جدًا لكي أميز أين أنا وما هو دوري نحو النمو ودور المسيح وكيف يتعامل المسيح مع النمو، وكيف أستوعب نمو الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله.

Romany Joseph
10th February 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]   لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ (رو 1: 20)

[2]  (رو8:  29)

[3]

وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ مُمْتَلِئاً حِكْمَةً وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.  (لو 2: 40)

وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ (لو 2: 52)

للمزيد يمكن مراجعة المقال السابق: نمو يسوع المسيح هو نبع وسر نمون إنساننا الجديد 

[4]  وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ. اَلْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَسَدُ أَفْضَلُ مِنَ اللِّبَاسِ. (لو 12: 22 – 23)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s