من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 29 | النمو في عين المولود الجديد

Growing-Up

نتذكر دومًا أن الله وضع في الأمور الجسدية أسرار الأمور الروحية، فما يحدث في حياتنا الجسدية هو انعكاس تام دقيق لحياتنا الروحية. وقد علمنا الكتاب المقدس ذلك حين قال أن أمور الله الغير منظورة تُرى في المصنوعات[1] (رو 1: 20)، وتكلم بولس عن الحرب الروحية بنفس مصطلحات الحرب الجسدية، لذا، نحتاج لفهم النمو الروحي أن ننظر للحياة الجسدية والنمو الجسدي.

حاول أن تنظر لطفل رضيع لترسم المراحل التي لا تتذكرها نحو إحساسك بالحياة والوجود. ثم حاول أن تتذكر طفولتك أنت وتطور نظرتك نحو الحياة، وكيف كانت وكيف صارت، ثم مرورك بمرحلة المراهقة والنضوج، لكي تستوعب التطور الحادث مع النمو، وما يتبعه من تغيير في شكل الحياة. بل حاول أن تستوعب أن حتى ذلك الطفل حين بدأ يتكون في رحم أمه كان خلية واحدة لا تُري بالعين وقد نمت وتشكلت وكونت ابنًا مولودًا بقدرة فائقة بسبب الحياة التي فيها.

الطفل حين يُولَد يكون إدراكه للأمور محدودًا جدًا. العالم بالنسبة له هو أبواه. وكلما نما وعيه، زاد تعلقه بهما ومراقبته لهما وارتباطه السري بهما. وهو محدود الادراك يضحك ويرتاح حين يراهما، ويبتسم لنظراتهما ويهدأ بأحضانهما ولمساتهما، الطفل في شهوره الأولى يكون قادرًا على تمييز والديه، وربما يجزع من رؤية بشر غيرهم، وإن قبلهم وارتاح معهم فذلك لأنهم صورة والديه. المولود لا يفهم أي شيء مما حوله، لا يفهم العالم المادي المحيط به من أشياء وأحداث، ولا حتى يفهم نفسه وحواسه وجسده، لا يفهم أنه يجوع، لا يفهم أنه يحتاج لقضاء حاجته.

كلما نما الطفل، نما إدراكه ووعيه تدريجيًا، فيبدأ تمييز بعض الكلمات والانفعالات من والديه، ويعبر عن فرحه بالضحك، وألمه بالصراخ والبكاء، ويتعرف علي أمور معينه حوله ويبدأ تدريجيًا في تأمل الأشياء وفحصها بتعجب وبدون استيعاب واضح. وبمزيد من النمو، يبدأ الطفل الرضيع مرحلة الحركة، والتي تتدرج من الزحف إلى أخذ خطوات بطيئة متذبذبة من خلال مساعدة والديه، ثم تدريجيًا تصبح تلك الخطوات أكثر ثبات، وأوفر قوة. ثم تدريجيًا أيضًا يتغير طعامه من اللبن واللبن فقط، لتدخل عناصر أخرى لذلك الطعام. وليس هذا فقط، بل طريقة تناول الطعام تتغير، وتتحول من ثدي الأم لتصبح من خلال ملعقة وأدوات. يبدأ في نطق كلمات غير مفهومة، مع الوقت تتحول لكلمات قليلة ثم تكثر وتزداد وتتضح.

العجيب، أن الكيان كله يتحرك بقوة نحو النمو، بقوة ولكن ببطء. وهذه من أهم العلامات التي تحدث له. قليل من الأعوام تمضي، فننظر وكأننا أمام كائن آخر. لقد أصبح يجري وينطلق، يتكلم كلمات بسيطة، يلعب ويلهو، يميز أنه يحتاج أن يأكل، يميز أنه يحتاج لقضاء حاجته، يعبر عن مشاعره التي نمت مختلفة بطريقة واضحة، مثل الفرح.. الألم.. الخوف.. الحب.

حين ينمو الطفل، تظهر أبعاد أخرى لتصور ورؤية الأب والتعامل معه، فهو لم يعد فقط مسدد الاحتياج والحضن الذي يفعل للطفل كل شيء، لكنه أيضا مَن أحتاج أن أسمع صوته وأتكلم معه، بعد أن كنت غير قادر لا على الكلام أو الاصغاء وأنا رضيع، وهو بالطبع يتفهم ذلك! وهو من أحتاج أن أقوم بالتعلم لديه كيف أحيا مثله بعد أن كنت رضيعًا ولا أدري. وكلما تعلمت منه، انتقلت أمور إلى حيز مسؤوليتي. فلن يحملني على كتفه لأن قدماي تعلمتا المشي، ولن يعبر بي الشارع لأني تعلمت عبور الشارع منه، ولن يوجهني وأنا أسير في طريقي للمدرسة لأنه قد علمني الطريق وذهب معي أكثر من مرة. وكلما نما كياني، كلما انتقلت لي حياة الأب وسرت داخلي وخطوت خطوات نحو أن أتشكل بصورة أبي.

تتحرك الطفولة من طور لطور، والطفل ينمو يتشكل، يبدأ في مرحلة ما أن يشتهي أن يكون مثل والديه، يفعل أمور الكبار ويحاول أن يقلدهم، ويكون تقليده أما مضحكًا أو مسببًا لمشاكل. وبعد وقت يبدأ يدخل في مرحلة المراهقة، وهنا تبدأ تحولات كبيرة تحدث في جسد الطفل وطريقة حياته أيضًا، لقد بدأ يتحرك ليكون ناضجًا، ويعبر طور الطفولة للرجولة.. يتغير جسمه، يتغير تفكيره وانجذابه نحو الأمور، تتقلب أفكاره ومشاعره ما بين مرحلة الطفولة التي عرفها ومرحلة النضج التي هو مقبل عليها.

حين يتعلم الطفل أمراً جديدًا ويفعله لأول مرة، يكون في غاية الفرح والسعادة، وكذلك يفرح به الأب، فلا يوجد فرح يوازي فرح النمو والنضج والإحساس بالتغيير. وكلما نما الطفل، يتحرك لينمو ويتعلم ويختبر أمور جديدة، ويتحرك بعض ما كان جديدًا ليصبح عاديًا ومتوقعًا.

وحين ينضج ويكتمل نموه، نحن أمام شخص قد أصبح واعيًا، ناضجًا، متكمل النمو الجسدي، مكتمل التفكير، ناضج المشاعر. قارن بين البداية للمولود الرضيع والنهاية للرجل الناضج، كأننا أمام كائن مختلف، لقد تغيرت صورته وتحددت ملامحه وشخصيه، لقد استغرق الأمر وقتًا كي يصل لتلك الصورة المفرحة، مراحل كثيرة يعبر عليها (أوضحها مرحلتي الطفولة والمراهقة) حتى يصبح ناضجًا.

وفي مرحلة النضوج تحدث طفرة أخرى في علاقة الابن مع الأب، فالابن يكون كالشريك بالنسبة لأبيه، لقد تشكل وأصبحت حياته الإنسانية مكتملة كما أبيه. في تلك المرحلة تنتهي الاعتمادية الطفولية من الابن نحو الأب، فالعلاقة هنا تتحول لحب ناضج وشركة ناضجة مشبعة، هذه هي كانت غاية الأب حين ولد الابن، وهذا هو ملء فرح الأب بالابن، وملء شبع الابن بأبيه وبحبه والشركة معه والتفهم الكامل له.

كذلك النمو الروحي، يأخذ نفس المراحل بدقة شديدة وخلال وقت طويل، وتحديات كثيرة، وربما تعاملات خاطئة نحو أنفسنا أو يفعلها أخرين فينا. وفي كل هذا يقودنا الله لكي ننمو وتشكل وننتهي للإنسان الكامل، أي ملء قامة المسيح.

إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (أف  4:  13)

 

Romany Joseph
13th February 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ (رو 1: 20)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 29 | النمو في عين المولود الجديد

  1. Sam Six says:

    كلامك منطقى وكتابى فى نفس الوقت. ولا يعقل أن يهبنا الله العقل ويطلب منا ألا نتباحث به فى أمور نمونا الروحى الموازى فى أطواره ومراحله لنمونا الجسدى. لقد أفادتنى كثيرا هذه الدراسة. فمتى تكتمل بنعمة المسيح، فهل أمامنا وقت طويل لنتدارك كل مضامينها؟
    شكرا على التعب والمجهود. الرب يبارك ثمرك لمجد إسمه. آمين

    • RomanyJoseph says:

      شكرا عزيزي حسام لتشجيعك
      فعلا كلمة الله والواقع يؤكدان أمور هادئة وقوية
      السلسلة حوالي 90 حلقة، سأكمل وضع حلقات النمو
      ثم بعدها مرحلة الطفولة وسماتها،وبعدها المراهقة، وأخيرا النضج أو الرجولة

      ربنا يبارك حياتك وأشكرك مرة اخري للمتابعة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s