من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 30 | النمو في عين الأب نحو المولود

the father look                 (ملحوظة: لاهوتيًا: المسيح ليس أب الإنسان الجديد، بل هو الأخ البكر الذي ينقل صورة الاب الصالح، وهو رأس الإنسانية ومرجعها ومظهر صورة الآب)

سنحاول في هذا المقال الاقتراب من فكر الله نحو أولاده خلال مراحل نموهم، ونكمل في رؤيتنا للأمور الجسدية أو المادية كحاملة في رسمها لأسرار الروح وملكوت الله.

كل أب حين يلد أبنًا[1]، يكون لديه حلم.. وحلم الأب الصالح من المؤكد هو أن يرى ابنه ناضجًا ذو حياة مليئة بالشبع والفرح والسلام. لا يوجد أي أب في الدنيا يريد أن ينجب أولادًا ليكونوا أطفالاً للأبد. فذلك ليس ما يحلم به، ولا يريد أن ينجب أولاد ناضجين فجأة (إن أمكن) لأن ذلك ضد الدخول في علاقة حميمة، كل أب في الدنيا يريد علاقة تنمو خلال سنين طويلة. يفرح وهو يرى ابنه ينمو من الميلاد ليصبح ناضجًا في ملء قامته. ألم نتساءل لماذا مَن يتحركون نحو التبني، يذهبون لتبني أطفال وليس أفرادًا بالغين؟ السبب بسيط، في أعماق الإنسان شعور قوي أن بناء العلاقة يحتاج وقت ومراحل. والإنسان يستمتع مع طفله سويًا ويؤسسان علاقة قوتها في نموها ووقتها ونتاجها.

يعلم الوالد أن ابنه سيكون في مرحلة الطفولة أولاً ويتدرج ليعبر بالمراهقة وينطلق للنضوج والبلوغ، ويعلم أن شكل العلاقة سيختلف في كل مرحلة بسبب نمو الابن.

في بداية طفولته يعي الأب أن ابنه سيحتاج لمن يعوله بالتمام، فالمولود لا يستطيع فعل أي شيء لنفسه في مراحل بداية الطفولة. لا يستطيع أن يطعم نفسه أو يتعامل مع فضلاته، بل حتى التعبير عن الألم والمرض والفرح لا يستطيع أن يقوم بهم. والأب يعلم هذا، فيتكفل بكل هذا لطفله عن طيب خاطر وفرح.. هذا مقبول ومفهوم في هذه المرحلة. وليس هذا فقط، بل الأب في تلك المرحلة لا يتوقع من ابنه أن يقوم بأعمال معه لأنه يعرف أنه غير مؤهل لذلك، فالشركة هنا بين الأب والابن هي شركة احتواء وعطاء من الأب، واستقبال وأخذ من الابن.

ربما نفس التصرف المقبول في هذه المرحلة، سوف يُعتبر لاحقًا بمثابة مشكلة لدى الابن. فمثلاً، لو استمر الطفل في عدم الحركة أو غياب القدرة على الكلام، يُعتبر هذا في مرحلة عمرية معينه مشكلة، لو لم ينمو في تمييزه أنه يحتاج أن يقضي حاجته وحده، فهناك مشكلة. ربما بعد وقت إن ظل يطالب أبيه أن يفعل له أشياء، أو يساعده في بعض الأمور، لصار هذا سلوكًا غير مقبول. الأب يمتلئ بالفرح حين يعلِّم ابنه أمرًا جديدًا، ويراه ينمو وينضح، وربما مع الوقت تصبح الأمور الجديدة التي كانت مفرحة عادية ومنطقية للأب وللابن أيضًا.

في مرحلة الطفولة يكون طعامه اللبن، يجب في البداية أن يصل له اللبن من مصدر واحد وحيد وهو ثدي أمه. في مرحلة أخرى يجب أن يأكل بطريقة مختلفة. ومرحلة أخرى يبدأ الطفل يميز أصناف وأنواع الطعام وما يحبه وما لا يحبه، ومتى يأكل ومتى لا يأكل. وبمزيد من النمو والتقدم في العمر، يتقدم وعي الطفل.. والأب الفاهم يغيِّر طريقة تعامله بما يناسب نمو الطفل. فالطفل كلما نما، استطاع أن يفعل ويعني أمورًا لم يكن يستطيعها قبلاً.

وحين تأتي مرحلة المراهقة، والتي تعتبر النقلة من الطفولة للرجولة، يعي الأب صعوبة تلك النقلة، والتذبذبات التي يمر بها الابن فيها، ما بين الاشتياق للنضوح المقبل عليه والحنين للطفولة التي تعوَّدها، تلك المرحلة الانتقالية يكون فيها صراع عنيف داخلي. الأب الفاهم يعلِّم ابنه ويحتويه في هذه المرحلة ويساعده أن يعبر بها ليصير ناضجًا.

وحين يعبر الابن للنضوج، لنا أن نتخيل فرحة الابن بالأب وفرحة الأب بالابن، ومقدار الشركة بينهما، والعلاقة الممتعة السوية الكاملة التي تُفرح كليهما وتشبع وتغني كليهما. لقد تحقق حلم الأب في الابن، وها هو أمامه.. صورته ومسرته.

 

Romany Joseph
17th February 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  سنستخدم كلمة “الأبوة ” فقط في المقال لكي نشير “للأبوة والأمومة البشرية” معاً، لأن كلاهما معاً يحمل صورة “أبوة الله”

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s