من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 31 | نظرة متعمقة لماهية النمو

grow-1024x576 

حين ننظر للطفل ينمو، نرى جانبًا إيجابيًا فقط بحكم نظرتنا الاعتيادية للأمور. لكن إن أردنا الدقة ونظرنا بقليل من العملية، نجد أن الطفل ينمو بطريقة إيجابية ضد أمر سلبي، ألا وهو الصورة التي يجب أن يكون عليها. فكأن هناك فجوة سلبية غير مرغوب فيها بين حاله الآن وبين الصورة التي يجب أن يكون عليها. وكلما نما، اقترب للصورة، وفنيت الفجوة شيئًا فشيئًا.

كذلك المسيح حين أخلى نفسه وأخذ صورة عبد[1]، كان ينمو من جهة إيجابية لكي يجمع في ذاته كل متطلبات الحياة الجديدة التي أتى لكي يعطيها لنا[2]، لكنه من جهة أخرى كان ينمو ضد أمر سلبي، وهو الخطية التي جاء ليحملها في جسده[3]، ويكسر شوكتها، ويميت آدم الأول. وقد نما المسيح من الطفولة وحتى ملء القامة، ضد الخطية وإنسانية أدم الأول التي حملها على الصليب.

وأيضًا، ما اعطي لنا في النمو الروحي لحياتنا الجديدة، هو نفس ما عاشه المسيح بالجسد، فهو أعطانا نمو من جهة إجابيه للإنسان الجديد المولود من الله كما نما هو، لكن من جهة آخري، إفناء لأدم الأول أو الإنسان العتيق كما أفني هو، لذا، نرى في النمو عمليتين متناقضتين لكن حدوثهما معًا حتمي ومتزامن.

لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. (2كو 6: 16)

العملية الأولي هي الفناء التدريجي للإنسان العتيق والذي يرتبط معه وبنفس المقدار العملية الثانية، وهي التجدد ونمو الإنسان الجديد. هاتان العمليتان تحدثان تدريجيًا يومًا فيومًا كما يقول الكتاب المقدس، بصورة سرية في أعماق الإنسان، وذلك يصنع صراعًا داخليًا في الإنسان بين الطبيعة الجديدة التي تنمو والطبيعة العتيقة التي تفنى.

لذا، فالنمو هنا هو عملية طويلة ينفتح فيها الإنسان الجديد على الحياة التي له في الله أكثر وأكثر، تمامًا كما ينفتح الطفل على الحياة في العالم المادي حوله كلما نما أكثر وأكثر. ومع النمو تُستعلن له أمور الله وماهية العلاقة معه، فيدرك بالتبعية الحياة الموهوبة له من الله وتتضح دعوته شيئًا فشيئًا.

  إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (أف 4: 13)

وعلى الجانب الآخر من نمو الإنسان الجديد، يفنى الإنسان العتيق تدريجيًا مع الوقت بعد أن أماته المسيح على الصليب في بداية الميلاد الثاني[4]. ومع الوقت تفنى الطبيعة العتيقة وتوجهاتها شيئًا فشيئًا، وتنغلق تدريجيًا الحواس القديمة المفتوحة علي الخطية والانغماس في العالم، وتتحلل أعضاء الخطية[5] التي تتحلل شيئًا فشيئًا ويُستعلن للإنسان أكثر فساد تلك الطبيعة وشرورها المختفية والتي تظهر مع النمو[6].. فيُستعلن الصليب أكثر وأكثر له، ويميت الصليب الطبيعة العتيقة أكثر فأكثر.

بصيغة أخرى، يمكننا أن نقول أن حلول المسيح في الكيان الإنساني له وجهين؛ وجه الصليب ووجه القيامة. فصليب المسيح يعطي إماتة وفناء للتوجه القديم أي الإنسان العتيق، ويصنع قيامته تعطي حياة وتجديد للتوجه الجديد أي الإنسان الجديد. وتستمر هذه العملية السرية تحدث في الكيان، لتكون هي باختصار السر العامل لنمو الإنسان في المسيح.

لذا قال بولس الرسول:

حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا (2كو 4: 10)

لعلنا نتذكر بطرس الذي في أمانته كان يشتهي أن يموت مع المسيح، لكنه لم يقدر لصغر قامته، ولم يفهم مرحلته، وقد قال له المسيح أنه الآن لا يستطيع أن يتبعه:

قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا». (يو 13: 36)،

لقد كان الإنسان الجديد في بطرس غير مكتمل النمو، والإنسان العتيق الذي مات لم يفنى فيه الجزء الذي يخشى ويخاف ويرتعب من الموت، لذا لم يقوى بطرس على الصمود في الضيق الذي كان أكبر منه أي أكبر من قامته الجديدة، لذا حدثه المسيح بصراحة عن النمو والنضج، ونقل لنا يوحنا بالروح الواحد كيف أخبره المسيح عن التحول الذي سيحدث حين ينمو ويتصور فيه المسيح.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ». قَالَ هَذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُمَجِّدَ اللَّهَ بِهَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». (يو 21: 18 – 19)

لنلاحظ كلمات المسيح.. إنها تتكلم عن الطفولة (لما كنت أكثر حداثة) والتي فيها سلوك أكثر بحسب الطبيعة العتيقة (حيث تشاء) بسبب عدم اكتمال نمو الإنسان الجديد فيه، وحين يتكلم على النضج (متى شخت)، يتكلم عن كيف أن الكيان الإنساني بالكامل يكون محمولاً بالتوجه الجديد، وكيف أن “آخر” (المسيح الرأس) يحمل الكيان ليتحرك لمناطق لم يكن من الممكن أن يذهب لها بالطبيعة العتيقة (حيث لا تشاء).

Romany Joseph 1
21st February 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا

 


[1]   الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ (في 2: 6 – 9)

[2]  فمنذ ميلاد المسيح، والمسيح يستجمع في ذاته كل ما يؤهِّل الإنسان في شخصه ليقف بالنهاية أمام أبيه بلا لوم في المحبة لمدح مجد نعمته التي أنعم بها لنا في المحبوب يسوع! ويرث فيه كل ما للآب. والآن على الإنسان وكل عالِم ومتعلِّم أن يقيس بكل قياس النعمة والروح والبصيرة المفتوحة ماذا كان يعوز المسيح لكي يتمِّم هذا ويبلغ بالإنسان الخاطئ إلى هذا القدر الفائق؟!

الأب متي المسكين – المسيح: حياته وأعماله – الجزء الأول: حياة المسيح منذ ميلاده حتى بدء الخدمة – ص 57

[3]  الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (1بط 2: 24)

[4]  يمكن مراجعة الخمس مقالات التي تجيب سؤال: هل مات العتيق؟

[5]  فاميتوا اعضاءكم التي على الارض الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الاوثان (كو  3 :  5)

[6]  للتذكرة، تكلمنا أنه في حالة الموت الجسدي، تظل بعض الأعضاء عاملة حتى بعد الموت. لكن مع الوقت يصلها الموت ويطولها، وحينها تبدأ عملية التحلل لها، كذلك الإنسان العتيق والإنسان الجديد.

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 31 | نظرة متعمقة لماهية النمو

  1. Sam Six says:

    رائع هذا التفسير والمحاكاة بين النمو الروحى و الموت للانسان العتيق. فبينما هذا يزداد، ذاك ينقص إلى أن يفنى و يتلاشى. شكرا على هذه البصيرة الروحية التى يسرت لى سبب عدم تغيري السحرى فى غمضة عين الى الصورة التى يريدها الرب لى وللجميع. شكرا على تعب محبتك.

  2. Nora Nabil says:

    Good Job Romany ! May God bless ur ideas and ur pen to reveal His glory everyday in ur life

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s