من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 33 | إشكاليات النمو | 1 | طعام البالغين للأطفال

??????????????????????

تخيل أنك أعطيت طفلاً لحمًا دسمًا ليأكل ويتقوى؟ ماذا سيحدث له؟ ببساطة.. سيموت. فأجهزة جسد الطفل غير مهيأة للتعامل مع طعام البالغين؛ بداية من الفم الذي لا يحتوي على أسنان تتعامل مع الطعام، مرورًا بأجهزة الهضم التي لا تقوى على هضم الطعام الدسم، وختامًا بأن الجسم في تلك المرحلة يحتاج فقط لبنًا لا طعامًا. لذا إن أصررنا على إعطاء طفل رضيع لحوم بدلاً من اللبن، سينهار الجسد لأنه أُعطي طعامًا غير متناسب مع الطفولة. لذلك نجد أن الرب يسوع أراد أن يكلم التلاميذ في أمور كثيرة، لكنه وجد أن طفولتهم لا تحتمل.

«إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. (يو 16: 12)

وبنفس الروح الواحد، أعلن بولس الرسول صراحة أنه لا يستطيع أن يكلم أهل كورنثوس إلا بأن يسقيهم لبنًا لا طعامًا..

وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِ سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ (1كو 3: 1 – 2)

لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (عب 5: 1314)

وهنا نجد أن الله يعطي في كل مرحلة طعامها المناسب بكل حكمة وفطنة، الله يفهم الطفولة وعدم قدرة المولودين من الله على استيعاب أن يأكلوا طعام البالغين الكاملين، لكي ينعموا بنمو هادئ على أسس راسخة، يأكلون فيها بصبر وأناة ما يناسب سنهم.

لعلنا هنا نحتاج أن نرسم صورة عملية لخطورة أن يأكل الطفل طعام البالغين، ولنترجم هذا لأمور عملية روحية. لنتصور شخص في بداية علاقته مع المسيح (طفل)، فرح بميلاده الجديد، ويتلذذ بالتواجد في جسد حي حقيقي للمسيح، يستقي معرفة الله من آيات بسيطة وعظات تناسب تلك المرحلة، يرى الحياة وردية بلا مشاكل فهو طفل، يستقبل الحب والرعاية، ويأخذ أكثر بكثير جدًا مما يعطي. تخيل أنك تعطي ذلك الطفل الروحي الطعام القوي للبالغين، مثلا أن يصلي بطريقة تحتاج لنضج، أو لأوقات طويلة، أو مثلاً تحاول أن تجعله يقرأ في الكتاب مقاطع صعبة وأمور متقدمة روحيًا، أو تعلمه من خلال عظات روحية أو كتب عن مواضيع بالغة ناضجة تحتاج وقت، أو تكلمه عن تكلفة الخدمة والتبعية وحمل الصليب في الطريق، وهو بعد طفل في أول الطريق، ستجد الطفل يصاب بارتباك شديد.

إن أكبر مثال عملي لطعام ناضج غير مناسب لمرحلة في الطفولة، هو المواضيع المشورية التي تتكلم عن شفاء الجراح والصحة النفسية. فالدخول في تلك المواضيع يحتاج درجة معينة من النضج الروحي، ويتوجب قبلها أن يكون هناك وقت يتناول فيه الطفل اللبن.. واللبن وحسب. يتعرف على المسيح ببساطة وهدوء وتنمو فيه الحواس الروحية للإنسان الجديد، والوعي الروحي والذهن المستنير، ويدرك عمل المسيح وصليبه بعمق وتدرج، حتى يكون مؤهلاً بعدها للتعامل مع أمور تحتاج نضج ووعي، مثل الشفاء من جراح الماضي.

كم رأيت من معلمين ووعاظ يقدمون هذه المواضيع لأطفال روحيين بهدف مساندتهم وبنائهم، فإذ بها تربك حياتهم وتصيبهم بحيرة، وربما تصل في بعض الأحيان لهدمهم وتعريض حياتهم لانهيار روحي كامل ما لم يتدخل الله. وفعلاً تكون الصورة وكأنك تعطي طفل مولود يحتاج للرضاعة لحمًا دسمًا فإذ بكيانه ينقلب وأعضائه ترتبك لأنها لا تستطيع التعامل مع ذلك الطعام القوي الذي للبالغين.

أيضًا من الأمور التي تعتبر مثالاً جيدًا لطعام بالغين هي الحرب الروحية. فكيف تكلم طفلاً يتعلم في بداية حياته عن الحرب! حين كلم بولس الرسول أطفال كورنثوس، تكلم وهو محصور في طعام اللبن لهم. بينما حين كلم أهل أفسس الواضحي النضج، تكلم عن الحرب الروحية. فمن الأمور المتلفة أن تكلم طفلاً عن الحرب الروحية؛ لأنه غير مؤهل للطعام القوي.

للأسف حين يحدث ونعطي طعام البالغين لطفل، وحين نفعل هذا في خدمتنا، نكون كمَن يقطف من شجرة معرفة الخير والشر، ويفتح أعين مؤمنين صغار على أمور لا يجب أن تنفتح عليها أعينهم الآن كما أعلن يسوع المسيح لتلاميذه، لأنهم لن يعرفوا كيفية التعامل معها؛ إذ ليس لديهم نعمة كافية[1] لذلك الطعام في ذلك الوقت. 

نحتاج أن ننتبه أن معرفة الخير والشر في حد ذاتها ليست خطأ، فشجرة معرفة الخير والشر لم تحتوِ على أمور نجسة؛ لأن الله نفسه شهد أنه يعلم ما فيها[2].. الله يعرف الخير والشر، ولأجل قداسته يعرف أن يختار الخير ويرفض الشر (وتلك الآية قيلت في النبوات عن المسيح)[3]. لذا كانت مشكلة آدم وحواء هي العصيان والخروج عن المشيئة وأكل طعام ليس في وقته. فما عرفه آدم لم يكن من الله ولا في مواقيت الله، لقد كان طعامًا غير مناسب أضر بآدم ولم يعرف كيف يتعامل معه، وحين أكل، لم تكن مشكلة الله مع حقيقة أنه عريان، بل مع “مَن أعلمك أنك عريان؟”[4].

نعود ونكرر، المسيح أخلى ذاته وصار كعبد لأجلنا[5]، وكان ينمو في النعمة والقامة ويتقوى بالروح[6]. وكان بحسب نموه في أيام جسده الذي قبله لأجلنا، ينفتح على الآب وعلى المعرفة الروحية تدريجيًا[7]، وينفتح على أبيه، ليكون آدم الأخير المحيي عوضًا عن آدم الأول المائت[8]، لكي حينما يكمل ارساليته في الجسد ويصرح علانية “قد أُكمل”[9]، يصير لنا شجرة الحياة مرة آخري، التي نأكل منها فنحيا[10]، الشجرة التي لم يأكل منها آدم الأول، نزل ليعطينا نفسه، أي جسده لكي نأكله نحن ونحيا به[11]، ونصير فيه وهو فينا[12]، ليكون هو شجرة الحياة[13]: الكرمة، ونصبح نحن أغصانًا مثمرة فيه[14].

وعلى عكس آدم الأول، كان يسوع المسيح – أدم الآخير – يرفض كل عرض من شجرة معرفة الخير والشر والتي فيها يعرض ابليس أن يفتح ذهنه على أمور ليست في مشيئة الآب ولا في إرساليته، مثل أن يحول الخبز لحجر، أو يسجد لإبليس فيأخذ ممالك العالم، وأن يلقي نفسه لأسفل لتحمله الملائكة، وهي نفس محاولات ابليس حين أغوي آدم الأول ليأكل من شجرة معرفة الخير والشر، لكن ذهن الكلمة المتجسد منفتح علي الله الآب فقط، وطعامه وأكله الوحيد هو أن يفعل مشية الذي أرسله[15]، وقد رفض كل عروض ابليس ونجح في هذا بالتمام ولم يخطئ خطية واحدة، وأكمل عمله في الجسد، وقام من الأموات وجلس عن يمين أبيه في ملء قامته، ثم أعطانا جسده ودمه لكي نحيا بهما كما أعلن هو[16]، ليكون الكرمة التي لنا، شجرة الحياة التي في وسط الجنة والتي فيها نصبح أغصانًا وننمو ونأتي بثمر كثير.

وحين ننال الميلاد الثاني، نحتاج أن نستوعب نمونا في المسيح، ويحتاج أباؤنا الروحيين أن يعطونا الطعام الذي نحتاجه لمرحلتنا، ونحتاج نحن أيضًا أن نعي ما نحتاج أن نأكله من طعام مناسب لمرحلتنا.

Romany Joseph
6th March 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  النعمة في الفكر الكنسي هي شخص المسيح نفسه وامتلاء الإنسان منه بالروح القدس، والنعمة ينمو فيها الإنسان أي ينمو في تصور المسيح فيه.

[2]  وَقَالَ الرَّبُّ الالَهُ: «هُوَذَا الانْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالْانَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَاخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ ايْضا وَيَاكُلُ وَيَحْيَا الَى الابَدِ». (تك 3: 22)

[3]  لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا». (اش 7: 16)

[4]  (تك 3: 11)

[5]  (في 2: 6)

[6]  لمزيد من التفاصيل، يمكن مراجعة مقال: نمو المسيح هو سر نمونا

[7]  فالجسد الذي أخذه المسيح هو البشرية الجديدة حقًا، مولودة من الروح القدس ومن العذراء التي قدَّسها الله بالروح القدس لكي يأخذ منها جسدًا مقدسًا. هذا الجسد هو في الحقيقة جسدنا الجديد. وابتدأ المسيح يتدرَّج بهذا الجسد ليكون بالفعل خليقة جديدة بأعمال وأفكار جديدة وحياة جديدة.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني – ص 85

 [8]  هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضاً: «صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً». (1كو 15: 47)

[9]  (يو  19 :  30)

[10]  مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ». (رؤ  2 :  7)

[11]    أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ» (يو 6: 51)

[12]  مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. (يو 6: 56)

[13]   وَأَرَانِي نَهْراً صَافِياً مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعاً كَبَلُّورٍ خَارِجاً مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْحَمَلِ. فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَمِ. (رؤ 22: 1 – 2)

[14]  أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ.  كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ. (يو 15: 1 – 2)

[15]  (يو 4: 34)

[16]  فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. (يو 6: 57)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 33 | إشكاليات النمو | 1 | طعام البالغين للأطفال

  1. mervat says:

    شكرا كثيرا بتجى فى وقتك… هل يؤجل الله بعض عطاياه الروحية رغم الطلب انتظارا لاجتياز معين او نضج معين ، وهل هناك امور تحتاج للعلاج اولا لانها تشكل قيود على النفس والروح فتعوق عطايا الرب او عمله ؟

    • RomanyJoseph says:

      اعتقد انه يؤجل فعلا… لانه أحيانا نكون أمناء في طلبتنا ولكن غير مؤهلين للتعامل معها
      ومعني كلمة غير مؤهلين يجيب الجزء الثاني من سؤال.. وهو ان طبيعتنا العتيقة بها أمور سلبية تحتاج ان تموت لانها كما ذكرت تعوق عمل الرب وعطاياه
      لقد كان بطرس بأمانة يشتهي ان يموت لأجل المسيح..لكنه كان يري نفسه احسن من اخوته.. ولو كان عنده القدرة أن يبذل نفسه لاجل المسيح لكان غير متفهم وغير مشفق علي الاخرين
      واروع أمر في الله انه حين يتأخر في تحقيق عطايا روحية او حتي مادية..انه يسخدم ذلك باروع الطرق ان يكون خبرة ونمو وحياة

      ربنا يباركك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s