من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 34 | إشكاليات النمو | 2 | طعام طفولي للبالغين

adult_breastfeeding

على النقيض، إن كانت مرحلة الطفولة قد انتهت، والطفل يأكل طعامًا طفوليًا، سنجده أُصيب بضعف وهشاشة شديدين. فكيانه الروحي نضج ويحتاج طعامًا قويًا للبالغين، لا لبنًا. وهو ما ألمح إليه كاتب العبرانيين في عتابه لهم بسبب الإطالة في الطفولة، وهي أزمة تشبه أزمة الفطام للطفل، الذي إن تركته سوف يكمل للأبد حياة الرضاعة من ثدي أمه، بينما يجب أن يُفطم. وهذا العمل يقوم به الرب إن لم ينتبه الشخص لطول طفولته، كما سنتكلم لاحقًا. 

لأَنَّكُمْ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ، تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّلأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. (عب 5: 12 – 14)

إن طعام الطفولة للبالغين لهو أزمة مررت بها شخصيًا ورأيتها في أماكن أمينة كثيرة. إذ نتعود على طعام روحي يبنينا ويقوينا، فنفرح.. ثم يأتي وقت ينبغي فيه الفطام من الاعتماد على ذلك الطعام والاعتماد على طعام قوي للبالغين يتناسب مع نمونا ومرحلة نمو إنساننا الجديد. والأسباب الذي يجعلنا نأخذ طعامًا طفوليًا ونحن قد نضجنا يمكن تقسيمها لسببين:

السبب الأول: عدم تفهم الكنيسة أو المؤمن لحتمية نهاية الطفولة

أحيانا لا تفهم الكنيسة ولا المؤمنون مراحل النمو، حتى لو تكلمنا عنه ووعظنا به. لكن على أرض الواقع تحيا بعض الكنائس والمؤمنون في دائرة طفولة مغلقة، يرون فيها الله من زاوية الطفولة وحسب. فهو الراعي ومسدد الاحتياج والملجأ والمعين والستر والسند.. وكل هذا رائع.. ففي مرحلة الطفولة لا توجد أدنى مشكلة أن تكون هذه هي كل نظرة الطفل للأب. لكن المشكلة أنه حين يتم النمو التدريجي تختلف هذه النظرة تدريجيًا كما تكلمنا، وتنتهي تلك المرحلة وتنفتح أفاق جديدة لمرحلة النضج. الأمر الذي يستلزم بالتبعية طعامًا مختلفًا.

يمكن بعد كل ذلك التحول الحادث في نفوسنا نحو النضج، أن نصمم على طعام روحي طفولي. فطعام الطفولة مريح، يحضره الأب ويسقيه للطفل، سهل الهضم ولا يحتاج كثير من الإعداد، والأهم أن الإنسان تعود عليه. ولهذه الأسباب يبقى كثيرون في تصميم على كلام الطفولة وطعامها، وتكراره، وهم يظنون أنه سيسبب لهم نموًا كما كان يفعل من قبل.

لكنهم مع الوقت يصيبهم الوهن والتعب، فاللبن أصبح غير ملائم. هنا ربما يحدث أحيانَا إصرار على حل المشكلة من خلال الطعام الطفولي.. ربما المزيد من اللبن، ربما مراجعة جودة اللبن. فنجد المؤمنين يقومون بترديد كلام بداية الإيمان[1]، عن الخلاص والأبدية والدينونة ويحاولون أن يلتمسوا فيه الفاعلية كما كان من قبل فعالاً ومؤثرًا، لكنه أصبحت كاللبن لمَن أوشك على الفطام.

 السبب الثاني: عدم تفهم الكنيسة أو المؤمن للطعام البالغ

يتم إطعام مَن ولِدوا مِن المسيح اللبن المناسب لسنهم.. فحين يكونون أطفالاً في بداية الطريق، يكونون متكلين بالتمام على مَن يمثل الأبوة الروحية من خلال جسد المسيح (الكنيسة)، مثل المرشد أو الأب الروحي أو الخادم، أو من خلال الله نفسه والمسيح رأس الإنسان الجديد.

لكن مع الوقت والنمو، يحدث أن تستمر الكنيسة والخدام في إعطاء الأطفال نفس نوع الطعام، والذي غالبًا ما يكون اللبن، والذي يمكن ترجمته بصورة عملية لما قاله كاتب العبرانيين أنه “كلام بداءة المسيح” أي عظات خلاصية، وكلام عن بداية الإيمان.

 بينما نحن أمام مؤمنين تحركون للأمام، وتدريجيًا يبدأ الوعي والحس الروحي عندهم ينضج، وظهرت هناك متطلبات أخرى لحياتهم واحتياجاتهم. فصاروا يحتاجون إرشادًا في التعاملات اليومية، وفي العلاقات مع الآخرين التي مع الوقت تنمو هي الآخرى وتحتاج نضجًا ليتم التعامل معها.. يحتاجون لانطلاق لأعماق وأفاق جديدة في العلاقة مع الله والحياة الجديدة.. يحتاجون لشفاء من جراح الماضي.. يحتاجون نضوجًا عمليًا حيًا.. يحتاجون دورًا في الملكوت وبيت الآب لأنهم كبروا.. يحتاجون معرفة أسرار الله وملكوت السموات. وبدون طعام مناسب لتلك المرحلة، وأمام تحديات الحياة، سوف يتعرض المؤمن لضيقات ويفقد القدرة على فهم الله ودوره، مما قد يؤدي مع الوقت ربما إلى الشك في الله وفي الميلاد الثاني.

هنا حين يتم النمو سوف يؤهلني الله تدريجيًا نحو التحرك في أمور بالروح والحياة المعطاة داخلي (الطعام القوي للبالغين) أكثر من الاعتماد على المعونة الخارجية (اللبن)، طعام مختلف تمامًا عن اللبن، والذي يمكن ترجمته أنه طريقة أكثر عمقًا يتكلم بها الله وكنيسته.. أمور ملكوتية يتحدث بها لأولاده.. تهيئة لحياة الرجولة وتعليم ناضج.. نبوات وأسرار الأزمنة والأوقات.. أعماق كبيرة ورؤيوية للبنوة والإرسالية التي في قلب الله نحو أولاده الذين على أعتاب النضوج.. شركة مع الله والقديسين.

لكن المؤمنين يرتبكون بشدة في ذلك الاختبار، فيظنون أنه ربما أصابهم الكبرياء، أو أنهم يتحركون من ذواتهم.. فيخافون ويعودون يطلبوا من الله طعامًا روحيًا طفوليًا ولبنًا، بينما هم الآن مدعوون للطعام القوي. ولأن الله يريد أن ينمينا، فهو يقودنا لندرك هذا، فنحتاج بشدة أن نميز أين نحن، وما هو طعامنا الروحي المناسب لمرحلتنا.

 

Romany Joseph
8th March 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  (عب 6: 1)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 34 | إشكاليات النمو | 2 | طعام طفولي للبالغين

  1. George Philip says:

    المقال عجبني جداً
    شفت فيه التزام واجتهاد لأفراد لكن في الطريق الغلط، محاولة ان ارى واشعر ما كنت اتذوقه قبلاً ولكن بالرجوع صفر اليدين في كل محاولة

    عجيب الإنسان أنا وعجيب سقوطي
    شكراً

    • RomanyJoseph says:

      كلنا بنغلط حبيبي والأمانة والالتزام هي الطريق لكي يصححنا المسيح ويقومنا.

      انا شخصيا عملت ويمكن ناس أخطأت ي تعلمي واطعامي وانا أخطأت في تعليمها واطعامها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s