من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 35 | إشكاليات النمو | 3 | سلوك الطفل كأنه ناضج

stylishkids01

هذه المشكلة الكبيرة التي يقع فيها كثير من المؤمنين بالرب، فتجد البعض وهو طفل بعد يتوهم أنه رجل ناضج قادر على حمل الصليب، وسماع صوت الله وإتيان المعجزات والنبوءات، وأنه أصبح شريكًا في مجد المسيح، بينما المسيح لم يتصور فيه بقوة بعد.

من أوضح المواقف التي تعامل فيها الرب يسوع مع ذلك التوجه في تلاميذه حين طلبوا أن يكونوا على يمينه ويساره في المجد

وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ: «يَا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا». فَسَأَلَهُمَا: «مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟» فَقَالاَ لَهُ: «أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ». فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا؟» فَقَالاَ لَهُ: «نَسْتَطِيعُ». فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «أَمَّا الْكَأْسُ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا وَبَالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ». وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. (مر 10: 35 – 41)

إن المشهد يشبه إلى حد كبير طفلاً يطلب من أبيه أن يعمل عمل كبير وناضج، فيرد أبوه بأنه لا يعلم ما يطلب.. من الواضح من السؤال ورد الرب يسوع أنهما نظرا لمرحلة النضوج بطريقة طفولية. فجاءت إجابة الرب يسوع لتعلن لهما أنهما غير مستوعبين في نظرتهما الطفولية أن النضج وأن المجد هو حمل الصليب. لقد ظنا أن الأمر سهل وكان مفهومهما على الجلوس عن يمينه في المجد هو التمتع الطفولي. ألم نقع كلنا في مثل هذا التصور حين كنا أطفالاً بالجسد واشتهينا أن نكون ناضجين بسرعة لنكون كأبائنا نفعل أمور كثيرة ناضجة، وفوجئنا أن الأمر ليس كما كنا نتصور، لكن شكرا لله الذي يقودنا ويفتح أعيننا.

أيضًا نرى سلوك موسى وهو بعد في بيت فرعون، ورغبته في إنقاذ إخوته، بينما هو لم يكن مؤهلاً لتلك المهمة لطفولته الروحية. فكانت النتيجة أنه قتل المصري وحاول أن يحل مشاكل إخوته، ففشل وخاف وهرب. لقد حاول السلوك بطريقة لا تناسب المرحلة التي فيها، فأخفق وفشل..

وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ، فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ، فَقَتَلَ الْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ. ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَإِذَا رَجُلاَنِ عِبْرَانِيَّانِ يَتَخَاصَمَانِ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: «لِمَاذَا تَضْرِبُ صَاحِبَكَ؟» فَقَالَ: «مَنْ جَعَلَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا عَلَيْنَا؟ أَمُفْتَكِرٌ أَنْتَ بِقَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ الْمِصْرِيَّ؟». فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: «حَقًّا قَدْ عُرِفَ الأَمْرُ». فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هذَا الأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ وَسَكَنَ فِي أَرْضِ مِدْيَانَ، وَجَلَسَ عِنْدَ الْبِئْرِ. (خر 2: 11 – 15)

وأيضًا من المواقف المهمة التي تشبه موقف ابنا زبدي هو توهم بطرس الرسول أنه قادر أن يموت لأجل المسيح،

قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «حَيْثُ أَذْهَبُ (طريق الصليب) لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي (لأنك طفل) وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا».  (حين تصير ناضجًا) قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ لِمَاذَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ الآنَ؟ إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَتَضَعُ نَفْسَكَ عَنِّي؟ اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ يَصِيحُ الدِّيكُ حَتَّى تُنْكِرَنِي ثلاَثَ مَرَّاتٍ». (يو 13: 26 – 38)

هنا الرب يسوع أعلن بطرس حقيقتين: الأولى أنه في طفولته غير قادر علي التبعية الناضجة للصليب (لنلاحظ أن بطرس تبعه وترك الصيد، وكانت هذه نقلة من الظلمة للنور)، ولكنه سيقدر على التبعية الناضجة حين ينمو ويصير رجلاً. وقد أعلن له المسيح هذا علانية في نهاية إنجيل يوحنا. لذا نري بطرس تصرف بطفولة مرتعبة فقطع اذن العبد ثم أنكر المسيح لينجوا، لكننا نرى بطرس في سفر الأعمال شخصًا ناضجًا ومختلفًا تمامًا عن ذلك المؤمن الطفل أو الغير مكتمل النضوج الذي نراه في الأناجيل الأربع.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ» (يو 21: 18)

أخيرًا، ذكر بولس الرسول مثالاً عمليًا في اختبار الراعي؛ أن يكون غير حديث الإيمان (أي ليس طفلاً، فحداثة الإيمان بالقطع مرتبطة بالطفولة)[1]، وإلا وقع في التصلف والكبرياء والغرور. إذ حين نجعل طفلاً يأخذ مسؤولية كبار، فنحن بهذا ندمر إيمانه، ليكون عرضة للكبرياء والغرور والتعالي. ولعلنا نري ذلك في بعض الكنائس ذات التوجهات الكاريزماتية الغير ناضجة، والتي أحيانا تشجع المبتدئين في الإيمان (أي الأطفال) على القيام بأعمال وخدمات عظيمة، ولا تعطيهم تمييز أن البدايات تكون أصغر من ذلك، بل واحيانًا تجعل تلك الكنائس علامة الإيمان بالمسيح والولادة الجديدة هو فعل العجائب والمواهب الواضحة، وبالطبع ذلك أبعد ما يكون عن إيمان الطفولة والبدايات وقد تكلمنا عن ذلك قبلاً وسنتكلم لاحقًا عن مرحلة الطفولة، فتكون النتيجة أن يتوهم حديثي الإيمان أنهم أصبحوا عمالقة، فإما يقعون في الكبرياء مثلما حذر بولس الرسول، أو في صدمة مثلما حدث لموسي.

لذا، كانت إرادة الله لنا كأب صالح ومتفهم، هي أن نحيا مراحل حياتنا بهدوء ووعي ودون تعجل لمرحلة لم يأت بعد أوانها، لكي نفرح وننعم بعمل الله وننمو نموًا متزنًا واعيًا.

Romany Joseph
8th March 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  غَيْرَ حَدِيثِ الإِيمَانِ لِئَلاَّ يَتَصَلَّفَ فَيَسْقُطَ فِي دَيْنُونَةِ إِبْلِيسَ.  (1تي 3: 6)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s