من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 36 | إشكاليات النمو | 4 | سلوك الناضج كأنه طفل

babyoz

نرى في هذا التوجه أمرًا عكسيًا لمَن هو طفل ويتوهم أنه نضج.. وفيه يصر الشخص على أن يسلك كطفل بينما هو نضج، وأصبح مؤهلاً للإثمار. فتجده منغلقًا، يخشى التبعية الناضجة، لقد نضجت مواهبه ووزناته ورؤيته لكنه يخاف أن يستخدمها، وربما يفضل أن يدفنها، يتجنب فهم إرساليته ودوره. وفي حين أنه قد نما ونضج وأصبح مستعدًا للعمل في الحقل وشركة طريق المسيح الصعب، لكنك تجده منكفئًا في البحث عن الله الذي يعوله ويرعى طفولته. وهي أزمة تشبه أزمة مَن وصل لمرحلة العمل ويصر على الجلوس في المنزل وتلقي المصروف من والده.

موقف شهير، غالبًا كل مِنَّا مر به، حين علَّمه أبوه عبور الشارع. فحين يكون الإنسان صغيرًا يحتاج أن يمسك أبيه يده ليعبر به الشارع، ولأنه أب فاهم، سيفعل ذلك طالما طفله غير مؤهل لعبور الشارع. لكن مع الوقت ونمو استيعاب الابن للأمور، سيعلِّمه الاب كيف ينظر يمينًا ويسارًا ويقيم الأمور، ثم يطلب منه بعد وقت اتخاذ قرار أنسب لحظة لعبور الشارع، وهو يؤكد القرار إن كان سليمُا، أو يصحح إن كان غير موفق، ثم بعدها يطلب الأب أن يعبر ابنه الشارع ويصمت تمامًا ويفرح بنا إن نجح ويوجه إن فشلنا، وبمنتهى الحرص والتدرج يعلِّمنا، حتى يقدر الابن أن يفعل ذلك وحده تمامًا.

تخيل أني وأنا رجل ناضج طلبت من أبي أن يمسك يدي ليعبر بي الشارع. بالطبع سيحاول أن يفهمني أني أصبحت مؤهلاً لفعل ذلك بالنضج الذي أعطاه ليه وأصبح داخلي. ولا شك أنني لو أصريت أن يساعدني في عبور الشارع، فهو لن يفعل ذلك لأنه يعرف أن ذلك سلوكًا طفوليًا بينما أنا ناضج. لو وافق الأب، فذلك أمر مدمر لشخصية الإنسان ومتلف له، ولن يقف الأمر عند مرة أو مرتين، بل سيستمر للأبد، لذا تحتم أن يكون هناك وقفة من الأب نحو الابن.

إن المثال العملي لذلك هو موسي النبي، فنراه نراه في البداية وهو طفل يتوهم أنه ناضج وقادر على تخليص الشعب فيقتل المصري الذي يضطهد أحد إخوته ثم يخاف ويكتشف صغر قامته، ويهرب للبرية، إنه بالضبط مثل طفل يتوهم أنه يستطيع أن يعبر الشارع بمفرد وأذ به يتلقى صدمة لأن الأمور أكبر منه.

وبعد أن هيأه الله في البرية أربعين عامًا نضج فيها وكبر في نمو هادئ وسليم، ودعاه للخدمة، قاوم بشدة وبحجج كثيرة حتى أن الله ألح عليه وناقشه، ثم غضب منه لإصراره الشديد على السلوك كطفل يُعال والله هيأه ليكون راعيًا يعول. وفي النهاية دفعه الله دفعًا لكي ينزل ويختبر مرحلة مختلفة للعلاقة مع الله؛ ألا وهي الرجولة والنضج.

لكن ما هو رد فعل موسي النبي في محاولات الله المتكررة لإقناعه بالنزول لخدمته الناضجة والتي أصبح مؤهلاً لها:

  «… فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْر».َ فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟» (خر 3: 10- 11)

فَاجَابَ مُوسَى: «وَلَكِنْ هَا هُمْ لا يُصَدِّقُونَنِي وَلا يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي بَلْ يَقُولُونَ لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ».   (خر 4: 1)

فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: «اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ». (خر 4: 10)

نرى محاولة واضحة للهروب؟ تُرى إلى أين يريد أن يهرب؟ الإجابة بسيطة: إلى استكمال الحياة الطفولية التي انتهت وربما هو لم ينتبه، أو ربما خاف من تحدي مرحلة النضج الجديدة، لكننا نجد أن الله دفعه دفعًا لكي ينزل ويمارس رسالته الناضجة بعد أن نما، وكانت بالفعل نقلة في حياته لينمو.

نرى أيضًا نفس المشكلة وربما بصورة أوضح عند يونان النبي. إذ نراه يهرب من الرسالة والدعوة الناضجة، والرب يحاصره ويعيده لمساره. وحين ينادي لنينوى بالتوبة لاحقًا، يفكر بطفولية شديدة في رأي الناس فيه لو تراجع الرب ولم يُهلك المدينة، حتى أنه أغتم حين تاب الناس.

ترى أن المشترك بين يونان وموسى هو أن الله حرك كلاهما للنزول لإرسالية ناضجة واعية.. الأمر الذي يعني أن الله كأب رآهما في زمن الإثمار والنضج. لكن توجد خطورة قائمة؛ وهي حب مرحلة الطفولة وسهولتها من جهة، وتجنب الحياة الجدية الناضجة مع الرب من جهة آخري.. وسنناقش هذه الأزمة في جزء لاحق. لكن ما يهمنا هو أن نعي أن لمرحلة النضج سلوكًا يختلف كثيرًا عن مرحلة الطفولة.

 

Romany Joseph
13th March 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 36 | إشكاليات النمو | 4 | سلوك الناضج كأنه طفل

  1. Joseph says:

    اعجبنى الموضوع جدا يا رومانى و كنت بفكر فيه كتير الايام اللى فاتت و عندى اسئلة
    ازاى افرق بين محاولة الانسان الاتكال على نفسه وعلى قوتة و بين الاتكال على ربنا و نعمته
    ما هى علامات النضج الروحى و كيف يكون النضج مع عدم ادراك الانسان له

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا جوزيف لمشاركتك.. النقاط اللي انت بتسأل فيها هي من اهم محاور السلسلة وانا هاكون بافرد ليها مقالات كاملة لأجل توضيح الرؤيا والتفاصيل
      بعد جزء النمو هايكون فيه جزء كامل علي الطفولة، ثم جزء علي المراهقة، وأخيرا جزء علي الرجولة

      ربنا يبارك حياتك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s