من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 37 | أمثلة للنمو | 1 | من محبة المال والعالم إلى محبة الله والسماويات

Money_Balance

دعنا نأخذ مثالاً عمليًا، ونركز فيه على نقطة واحدة وجانب واحد من حياة الإنسان، ونرى كيف حين يُولد الإنسان من الله ويدخل دائرة الإيمان الحقيقي وينمو في المسيح، يُستعلن الميلاد الثاني والنمو في أمور معينة. دعنا نحاول أن نتتبع بدقة التسلسل الذي يمر به الإنسان المولود من الله في نقطة النمو في محبة الله والسماويات، وفناء محبة المال والعالم.

تكلم الكتاب المقدس بكل حكمة وفطنة عن”محبة المال[1] وعن المتكلين على الأموال[2]” وليس عن المال، ويكلمنا عن “تعظم المعيشة”[3] لا المعيشة، وعن الذين يريدوا أن يكونوا اغنياء”[4] لا الأغنياء” لكي يعلمنا لكي يعلمنا أمراً هامًا، وهو أن المشكلة في اتجاه القلب لا الوضع الحالي، فكل ما سبق لا يعتمد على أين أنا وما أملك. إنه يعتمد على اتجاه حياتي وقلبي، فإن إن مائة جنيهات في جيبك تمثل ثروة ضخمة لغيرك من سكان القري الفقيرة، ومياه ملوثة يشربها ساكن القري الفقيرة بمصر، وهو لا يملك أي نقود، تعتبر ثروة ضخمة لمن لا يجدون المياه في الصومال، لذا كان اتجاه الحياة هو الفيصل لأين أنا، وهل أنا في المسيح وأنمو فيه وفي محبته أم لم أعرفه بعد ومستعبد للعالم وما فيه.

لنتصور إنسانًا قبل أن يُولَد الميلاد الثاني يأخذ كل أمانه من المال، ويستمد كل قيمته من العمل والمناصب والترقي بهما. وكنتيجة لهذا، تجد كل أهدافه وحركته محورها النمو أكثر في العمل والترقي، وزيادة الدخل، وتعظم المعيشة، وإثبات نجاحه لنفسه وللآخرين، وتأمين مستقبله ماديًا كأحسن ما يكون. بالتالي يصير مستعبدًا للعمل والمال؛ سواء نجح أو أخفق في تحقيق هذه الاهداف، وسواء حققها بطرق غاية في الشر المفضوح، أو بطرق تبدو مستقيمة ولكن عاقبتها طرق موت[5].. مثل بذل الوقت والجهد وإيداع كل الطاقات في العمل حتى يصير مستعبدًا له. في كل الأحوال، تحتل الماديات والعالم وتعظم المعيشة (الترقي) أولى أولوياته وكل همه وتركيزه وأهدافه.

هذا هو المحور والمحرك، سواء اعترف أم أنكر، أدرك أم لم يدرك، حتى إن قام بإطلاق تسميات مختلفة علي توجهاته، لا يهم.. فهو ميت ومستعبد في دائرة الموت ولا يرى الحياة. إنه إنسان طبيعي، والإنسان الطبيعي يرفض ما لله[6]. وفي الغالب، تجد هذا الإنسان الطبيعي مُبتلعًا تمامًا من قِبَل سيطرة تلك الرغبة في نفسه؛ إذ تقوده وتحركه وتتلف حياته.

لنتخيل أن هذا الشخص قد تاب عن حياته القديمة، ونال الميلاد الثاني وآمن بموته، وموت المسيح لأجله، وقيامته في المسيح، ودخل المسيح حياته، وأصبح هو مولودًا جديدًا في المسيح.. ستكون بداية حياته الجديدة كمرحلة طفولة، سيولد توجه مختلف داخله يرى القيمة في الله، ويرى الأمان منه، ويبدأ حدوث تحول جذري في الاهتمامات واتجاهات القلب. فنجد أن الشخص قد يبدأ يهتم أن يكون صورة للمسيح في العمل، وينشغل بأمور أخرى جديدة في حياته؛ مثل قراءة كلمة الله والصلاة والاشتراك بصورة حية في الكنيسة، ويبدأ تقييمه للأمور وللحياة عمومًا –ومنها العمل والمال– يختلف، وينعكس هذا على توجهاته. أي سيحدث تحول في توجهاته، وإن كان ضعيفًا.

ومن ناحية أخرى، فإن الطبيعة العتيقة التي تحركه نحو شهوة محبة المال والرغبة في الترقي وتعظم المعيشة قد ماتت بسبب صليب المسيح وعمله، لكنها لم تفنى في لحظة كما تعلمنا. وما دام الجانب العتيق لم يفنى، يظل بداخل هذا الشخص جزء كبير يرى الأمان في المال والظروف الخارجية أكثر مما يستمد أمانه من المسيح، وما زال يستشعر القيمة في النجاح العالمي أكثر مما يستشعرها ويتفهمها في المسيح، ويظل يبغي تعظم المعيشة أكثر من تعظم المسيح فيه. وكنتيجة لهذا، يسلك في عمله بطريقة معينة بسبب ذلك التوجه، فيخاف مثلا من فقدان العمل لأي سبب، ويخشى أن يكون تقصيره سببًا في أزمات يمر بها، ويخاف حين يفكر في المال وحسابات المستقبل.

لكن وسط كل هذا لا يوجد تعارض مع التحول الجذري في حياته. فمع كل هذا ستجد محبة النمو في المال، التي كانت تنمو وتزداد، إذ بها تتحول لحرص على وجوده وخوف عليه، وستجد شهوة الترقي الشديدة والتي كانت تتعظم  لتصير أهدأ، بل وتتحول لرغبة للحافظ على المنصب. وربما تمني أكثر هدؤًا للترقي. لقد حدث تحول، لقد أبطل موت إنسانه العتيق نمو محبة المال ونمو تعظم المعيشة.

سنجد أيضًا صراع داخلي بين التوجه الجديد والقديم، وسيبكته الروح القدس وسيئن في نفسه حين يرى توجهاته القديمة ما زالت موجودة. وسيكرهها بعد أن كان يعشقها، فالوعي الروحي الذي يوجد فيه بسبب ميلاده الجديد يعي أن الحياة كلها بكل ما فيها يجب أن تكون للمسيح[7]، يعي أن المسيح منه وبه وله كل الأشياء[8]. لكنه لا يستطيع أن يحيا ذلك دفعة واحدة.. أن ينقل كل اهتماماته وأمانه من المال والعالم ليكونا في المسيح. فالطبيعة العتيقة التي ماتت لكنها لم تفني، ما زالت موجودة وتلح عليه بالخوف من المستقبل أحيانًا او بالترغيب في النجاح والترقي أحيانًا أخرى، وتجره ليسلك بحسب الطبيعة القديمة. وهنا ينشأ الصراع بين الطبيعة الجديدة التي لا تريد للإنسان أن يتحرك هكذا، والطبيعة القديمة التي تلح بطرقها ومناهجها على الإنسان.

بل حتى لو أراد أن يتبع المسيح بالكامل، فهو لا يعلم كيف يفعل ذلك بسبب صغر قامته.. ولو علم كيف، لن يستطيع!! لذا نجد كثير من الشباب في بداية معرفتهم الحقيقية بالمسيح وولادة الوعي الروحي لهم يريدون أن يتركوا العمل والدنيا ليخدموا الرب ويكرسوا حياتهم بالكامل. وتلك الفكرة الأمينة وإن كانت دليلاً على الوعي الحي للإنسان الجديد، فهي أيضًا دليل على صغر قامته التي لا تستوعب كيف يمكن أن يمجد الله في مجال عمله، بينما عينه انفتحت انه يمجد ذاته في حرصه على المال وشهوة الترقي. وإذ يعلم أن الأمور لا يجب أن تكون هكذا، فلا يجد حلاً لهذه الإشكالية إلا ترك العمل.. لأنه لا يعرف كيف يمجد الله في العمل. في حين قد لا يكون مدعوًا للتكريس الكامل.

مع النمو، يحدث أمران متضادان متلازمان؛ تنمو الطبيعة الجديدة تدريجيًا في وعيها نحو أن تستمد من المسيح الأمان والسلام، ويستقر في أعماق المرء حقيقة مُعلنة، لا نظرية، وهي أن الأمور بيد الله تمامًا.. وفي نفس الوقت، بسبب قوة الإماتة التي تتزايد في صليب المسيح، يفنى التوجه العتيق الذي يستمد أمانه من أمور مادية.

وبالنسبة لمحبة المال، يبدأ اعتماده على المال ومحبته ورغبته في زيادة الأرصدة تفنى بنفس القوة التي يستعلن فيها المسيح له كضامن للأمان ومرساه للنفس[9]. بل ومع النمو أكثر يُستعلن له أن المسيح صاحب ذلك المال وما هو إلا وكيل عليه، وتنمو تلك الحقيقة في كيانه، فتجد تعاملاته المادية اختلفت، وحرصه على المادة اختلف، وأصبح يتعامل مع المال بطريقة المسيح وكوكيل للمسيح.

وعلى مستوى العمل، مع النمو ينفتح وعي الإنسان الجديد تدريجيًا على قيمة الحياة التي له في المسيح، وتدريجيًا يفهم دعوته شيئًا فشيئًا، وأن هناك عملاً وحصادًا كثيرًا في الملكوت يحتاج فعلة. فيبدأ تركيزه على الترقي والزيادة في العمل يقل تدريجيًا، وإدراكه أن له دعوة عليا ورسالة ملكوتية ينمو تدريجيًا.. فينمو عمله في ملكوت الله بالتدريج، ويتحرر من صراعات المنصب وشهوة الترقي بنفس الطريقة والتدريج، ويتحرر من العبودية للعمل والمنصب، ليتحرك باهتماماته تدريجيًا ليكون كنزه مع المسيح.

لن يفشل في عمله ولن يكون غير أمين فيه، لكنه سيفعل ما عليه دون صراعات ودون عبودية للرغبات، ناميًا في طلب الكفاف لا طلب الترقي، ومتحررًا من الطمع المادي ومستعبدًا للطمع الروحي، فيبدأ التحول التدريجي في الاهتمامات يحدث، فكلما نما إنسانه الجديد وجد رسالته في المسيح، وانشغل وقته وذهنه بأمور الملكوت التي تنمو فيه، وكنتيجة لهذا، يفني الإنسان العتيق الذي كان كل همه المناصب والترقي في العالم، وكلما تعظم المسيح فيه وتصور فيه، فني أكثر تحركه نحو تعظم المعيشة.

وكذلك يتغير واقعه نحو عمله وأموره المادية، فيكون أكثر هدوءًا وأقل اضطرابًا، وينمو داخله يقين أن العمل مكان لتمجيد الله وإعلان اسمه، والمال وسيلة وليس هدفًا. ومع نمو تلك الحقيقة، ينمو هو أيضًا على مستوى تحقيقها بهدوء وحكمة، ويصبح في عمله شخصًا مختلفًا في السلوك والتوجهات والأهداف والاهتمامات القلبية مع الوقت، وفي مادياته شخصًا آخر يتعامل بهدوء يختفي فيه الطمع أو الجشع أو البخل أو الأنانية.

هنا تجد الإنسان مع النضج يستطيع أن يكون حيًا في العالم لكن العالم لا يحيا فيه. قد يملك من المال الكثير أو القليل[10]، لم يعد هذا همه، لكن كل رجائه بالتمام موضوع في المسيح. قد يكون في العمل ناجحًا أو غير ناجح، لكن توجهاته تختلف تمامًا عمَن هم في العالم، بل وتختلف تمامًا عما كان هو نفسه يسلك قبل معرفة المخلص وميلاده الجديد من الله.

وسيصل في النهاية ليكون شخص مثل المسيح وتنطبع صورة المسيح بقوة فيه، مثل بولس أو لوقا، ربما يعمل في الخيام أو طبيب، لا يهم، فكل همه هو رسالة سماوية عليا مكلف بها ويعيها ويسلك فيها، وفي نضجه يكون كل همه تمامًا هو أمور السماويات ومحبة الله.

وهنا نجد أن نمو الإنسان الجديد وفناء الإنسان العتيق متلازمان مترابطان.. فكل نمو للإنسان الجديد يقابله فناء للإنسان العتيق، حتى أننا مع الوقت نصرخ مع بولس، ولكن بنعمة الله أنا ما أنا.

Romany Joseph
25th March 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1] لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ.(1تي 6 : 10)

[2] فَتَحَيَّرَ التَّلاَمِيذُ مِنْ كَلاَمِهِ. فَقَالَ يَسُوعُ أَيْضاً: «يَا بَنِيَّ مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ! (مر 10: 24)

[3] لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. (1يو 2: 16)

[4] وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ،(1تي 6 : 9)

[5]  تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ.(أم 16: 25)

[6]وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيّاً. (1كو 2: 14)

[7]  فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئاً فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ. (1كو 10 : 31)

[8] لان منه و به و له كل الاشياء له المجد الى الابد امين (رو 11 : 36)

[9] الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة و ثابتة تدخل الى ما داخل الحجاب (عب 6 : 19)

[10] لاحظ ان الاعتماد على المال ليس له علاقة بالمستوى المادي، فمن يعتمد على المال، لو معه القليل سيكون كل همه أن يكون معه الكثير ويخاف بسبب قلة المادة، ولو معه الكثير سيكون كل أمانه من وجود الكثير وكل همه الحفاظ عليه، ويخاف من فقدانه.

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s