من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 40 | طفولة الرب يسوع هي سر مرحلة طفولتنا

454548236_960

صارت كل لمحة من لمحات الحياة التي عاشها الرب يسوع تحمل أسرار حياتنا الجديدة والنمو فيها ومراحلها، وهدم حياتنا القديمة. وأصبحت حياته لكل فاهم طالب الرب هي محور كل إعلان روحي حي. لذا، لكي نفهم الطفولة الروحية، يجب أن نقترب قليلاً من الطفل يسوع المولود في المزود، المزمع أن يخلص إسرائيل. ونجعل طفولته هي محور فهم طفولتنا الروحية.

إسرائيل هي أنت وأنا؛ ذلك الفاسد الذي طلب الخلاص والعتق، فاستجابت السماء وأرسل الله ابنه مولودًا ليفتدي إسرائيل حين جاء ملء زمانها[1]. وحين وُلد المسيح في إسرائيل انقسم التاريخ لقبل الميلاد وبعد الميلاد، وكذلك ينقسم تاريخ كل واحد منا حين يولد الإنسان الجديد فيه. فنفس المسيح المولود في أرض عالمنا الخاطئ في مزود حقير بأورشليم.. يعطينا ميلادًا للطبيعة الجديدة في داخل حياتنا المليئة خطية حين نؤمن به ونقبله في مزود قلوبنا. فكل ما فعله في أيام جسده فعله لأجلنا ولأجل خلاصنا.

وعلى الرغم من حقيقة ولادته المهيبة الجليلة في أورشليم ليغيِّر اسرائيل.. إلا أنه حين كان المسيح طفلاً، لم نجد إسرائيل قد تغير بعد، بل بدا المشهد الخارجي كما هو للعين؛ لأن المسيح كان رضيعًا، ثم طفلاُ يحيا فترة صامتة هادئة ينمو ويتقوى بالروح فيها تدريجياً[2]، وينفتح على الآب، لكي يغير إسرائيل ويستعلن التغيير من خلاله في الأرض[3].

كذلك نحن أيضًا نفس الترتيب يحدث في حياتنا، وبنفس الطريقة. فحين يولد المسيح في نفوسنا الأرضية الفاسدة لا يوجد تغييرًا شاملاً أو مفاجئًا في الحياة ومجمل تحركاتنا الخارجية.. بل يوجد حضور إلهي مهوب في الداخل في عمق القلب.. حضور سري وخفي لكائن جديد مولود أحدث نقلة وتغييرًا جذريًا في التوجهات. لكن تظل الطبيعة القديمة تسيطر على الحال العام. فحياتنا في الطفولة لا يتضح التغيير فيها بقوة، لأن الإنسان الجديد يكون طفلاً فينا.. إذ على الرغم من إدراكنا للميلاد الثاني، إلا أن المولود ما زال غير ظاهر ورسالته لم تتضح بعد، والإنسان الجديد ينمو نموًا تدريجيًا[4]، هادئًا صامتًا منفتحًا تدريجيًا على الآب متقويًا بالروح فينا، حتى يأتي وقت ويبدأ فيه المسيح ممارسة إرساليته[5].

كان بإمكان المسيح أن يظهر فجأة كناضج كامل السن[6]، واعيًا وخادمًا عظيمًا في وسط إسرائيل، وقادرًا أن يقلب حال إسرائيل في لحظة من الزمان. لكن المعنى المباشر لهذا أنه حين يظهر في حياتنا سيظهر فجأة أيضًا ونتحول فجأة وتنقلب حياتنا فجأة.. وهذا يتعارض مع كون التجسد حقيقة، لا تمثيلية.. يتعارض مع التدبير الذي أراده لأجلنا؛ فهو أراد أن ينشر نوره في أرجاء إسرائيل المظلم بالتدريج، لا أن يبهرها بضياء مفاجئ لا تحتمله ظلمتها، كما سبق ولم يحتملوا انعكاس نور الرب في وجه موسي[7]. لذا أراد أن يتحد بالبشرية في جميع مراحل حياتها، ويتخلل البشرية في اتحاده بهدوء، ومن خلال اتحاده يجمع في جسده وفي نفسه كل احتياجات الإنسانية الجديدة التي أتى لكي يخلقها، ثم يعطيها لطالبيه لكي يحيوا نفس الحياة التي عاشها، حتى يستطيعوا أن ينظروا مجد الرب بوجه مكشوف ويحتملوه[8] لأنه صار فيهم[9].

لذا حين يحل المسيح فينا بالإيمان، يولد إنساننا الجديد ويكون طفلاً في وسط حياتنا الترابية البائدة كما كان المسيح في إسرائيل. وكلما نما، كلما تغيرت نفوسنا بحضور ذلك الإنسان الجديد فيها، وبسبب قوة الحياة والنور التي فيه.. وماتت توجهات نفسي القديمة (اسرائيل) بسبب قوة الإماتة التي في الصليب، وتتقدس الحياة وتقوم توجهات الإنسان الجديد محل التوجهات القديمة، وتتحول نفسي (إسرائيل الساقطة المائتة) لتكون الكنيسة الحية، هيكل الله الحقيقي.. تتحول الطبيعة المائتة التي هي تراب، لتكون مقامة في السماويات ويعاد خلقتها من طبيعة الرب يسوع نفسه[10].

Romany Joseph
17th May 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1] وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ،لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. (غلا 4: 4-5)

[2] نجد لدي القديس كيرلس قولا يؤكد اعترافه بعدم العلم الكامل للمسيح ففي كتابة المسيح الواحد (760 اب)

“إن كلمة الله – بموجب الأيقونوميًا – سمح لجسده بأن يتبع قوانين طبيعته البشرية، فان النمو في السن والحكمة (أضيف: في النعمة)، لأمر بشري، فإلى حد ما/ إن العقل – في كل واحد منا – ينمو نمو الأبعاد الجسدية فهو مختلف لدى الرضع عنه لدى الأطفال/ عنه لدى من تجاوزوا هذا السن….أقر أنه لو ظهر الله الكلمة حكمة خارقة في رضيع، لكان ذلك أمرًا سهلاً لديه، وفي مقدوره بلا شك، ولكن لكان في الأمر شيء من الفظاعة التي لا تناسب صعيد الإقونوميا.. فبموجب ذلك، إن الله الكلمة سمح لحدود البشرية بأن تحكمه، وبالفعل لأننا نعتبر ذلك بمثابة شبه (بيننا وبينه)، نحن الذين ينمون تدريجيًا ويُنميهم الزمن في السن وفي العقل بما يتناسب مع ذلك

[3] للمزيد، يمكن مراجعة المقال رقم 27 – نمو يسوع المسيح هو سر نمو إنساننا الجديد

[4] أما كيف يتشكَّل أو يتصوَّر المسيح فينا، فواضح أنه كما يتشكَّل ويتصوَّر الجنين في بطن أمه بواسطة الدم الذي يمتصه من أمه بواسطة الحبل السُّرِّي حتى يكتمل شكله ونموه إلى التمام ليولد؛ هكذا حينما نستقي بالروح – ونحن مجرد أجنَّة بالإيمان – دم المسيح، الذي حياته فيه، فنستمد منه بالروح القدس حياة المسيح وكل ما للمسيح حتى يتصوَّر المسيح فينا حيًّا. وهذه هي وظيفة بولس الرسول الذي أمدَّنا بالروح والإنجيل كل ما للمسيح بالاستعلان حتى اكتملت مداركنا وأخذنا الشكل فينا كسرٍّ.

الأب متى المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني – ص 71

[5] أما ما هو اكتمال الشكل الذي للمسيح فينا فهو ”البر وقداسة الحق“حسب الآية: »وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «(أف 23:4و24). وهذا كل امتياز عمل بولس الرسول الذي لم يُدانيه فيه إنسان آخر باعترافه، لا عن فخر بل عن حق وتحقيق: » بسبب هذا أنا بولس، أسير المسيح يسوع لأجلكم أيها الأمم، إن كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المُعطاة لي لأجلكم. أنه بإعلان عرَّفني بالسرِّ… الذي
بحسبه حينما تقرأونه، تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح… أُعطيت هذه النعمة… وأُنير الجميع في ما هو شركة السر – المكتوم منذ الدهور – في الله خالق الجميع بيسوع المسيح. «(أف 1:3-4و8و9)

الأب متى المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني – ص 71

[6] أن يُقال أن “الطفل كان ينمو ويتقوي بالروح ممتلئًا حكمة وكانت نعمة الله عليه” هذا الكلام ينبغي أن يؤخذ على أنه يشير إلى طبيعته البشرية، وأرجو أن تتفحصوا باهتمام في عمق التدبير، فالكلمة يحتمل ويقبل أن يولد في صورة بشرية رغم أنه في طبيعته الإلهية ليس له بداية ولا نهاية وليس خاضعًا للزمن، والذي هو إليه كامل تمامًا من كل ناحية يخضع للنمو الجسدي، وغير الجسدي، صارت له أطراف تنمو مع نمو بشريته، والذي هو نفسه الحكمة كلها، كان يمتلئ بالحكمة، وماذا نقول عن هذا، فالذي كان في صورة الآب قد صار مثلنا، والغني أخذ صورة الفقر والعالي أخذ صورة الاتضاع، والذي له الملء يقال أنه ينال ويأخذ، وهكذا فإن الله الكلمة أخلى نفسه، لأن الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تظهر طريقة إخلائه، لأنه كان أمرًا مستحيلاً بالنسبة للكلمة المولود من الله أن يسمح بمثل هذه الأشياء أن تكون في طبيعته الخاصة، ولكن حينما صار جسدًا أي صار إنسانًا مثلنا، فإنه حينئذ وُلد حسب الجسد من امرأة، وقيل أنه كان خاضعًا للأمور التي تختص بحالة الإنسان، ورغم أن الكلمة لكونه إلهًا كان يستطيع أن يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرة واحدة، إلا ان هذا لو حدث لكان أمرًا غريبًا جدًا وإعجازيًا، ولذلك فإنه جعل جسده يخضع لعادات وقوانين الطبيعة البشرية.

القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل لوقا – ص 51 و 52 – الاصحاح الثاني – 40 – 52 – ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس – د. نصحي عبد الشهيد – طبعة عام 2007

[7] وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ الْكَلامِ مَعَهُمْ جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعا. وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ امَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ. ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي اسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى. فَاذَا رَاى بَنُو اسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى انَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ. (خر 34: 33 – 35)

[8]وَلَيْسَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَضَعُ بُرْقُعًا عَلَى وَجْهِهِ لِكَيْ لاَ يَنْظُرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى نِهَايَةِ الزَّائِلِ. بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذَلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ. لَكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ. (2كو 3: 13 – 16)

[9] لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جعلنا أبناء الله. وذلك حتى يعبد الرب فينا أيضًا. والذين يبصروننا يعلنون – كما قال الرسول “أن الله بالحقيقة فيكم” (1كو25: 14). وكما قال يوحنا أيضًا فى إنجيله “وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو12: 1). وكما كتب فى رسالته “بهذا نعرف أنه يسكن فينا من روحه الذى أعطاه لنا” (1يو24: 3).

القديس أثناسيوس الرسول – ضد الأريوسيين – الرسالة الأولي – فقرة 43

Ibid., C. Ar., 1. 43.

[10] الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. (1كو 15 : 47)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s