من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 41 | ما هي الطفولة الروحية

 images-of-jesus-christ-174

أول مرة نرى كلامًا واضحًا عن الطفولة الروحانية.. وليس واضحًا فقط، بل وصنع فاصلاً بينها وبين النضوج (الرجولة).. كان في رسالة بولس إلى أطفال كورنثوس المُحتَسبين قديسين!

وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ (أي رجال) بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِسَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَلأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ (1كو 3: 1-3)

ثم كتب بولس كلامه بعد تلك الآية… وبعد أن وضع لنفسه ولهم بوضوح أن كلامه القادم لأطفال ولأطفال فقط… وأنه ملتزم بأن يحترم طفولتهم ويتعامل معها، بعد ذلك وبكل حكمة وفطنة أجزلها الله له في المسيح، ختم الرسالة متكلمًا أن تلك الطفولة يجب أن تُبطل يومًا ما ويبطل معها كل ما قاله.

لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ.(1كو 13: 11)

لذا نحتاج أن نقوم بتعريف مرحلة الطفولة، ونسأل: مَن هو الطفل المولود في المسيح؟

يعلمنا الكتاب المقدس أن الطفل هو شخص قد ولِد من المسيح فعلاً بإيمانه بموته وقيامة الرب فيه.. أي بإقراره القلبي بموته (الإيمان بالموت)، صار له دخول في الرب (الذي يقيم الموتي).. وفي رجوعه وتوبته، يدخل في اختبار الصليب والقيامة ويختبر أن الطبيعة العتيقة تموت بالصليب.. والطبيعة الجديدة، أي طبيعة المسيح شخصيًا، تُولد في الإنسان حين يؤمن بالموت والقيامة.. وتهيئ الإنسان لميلاد جديد ويحل الرب فيه. فتدبير الفداء من موت وقيامة المسيح هو مدخل الميلاد الجديد لنا [1].

إن المولود الجديد هو من طبيعة المسيح؛ لذا فأن الطبيعة الجديدة التي ننالها لا تخطئ ولا تستطيع أن تخطئ كما يعلمنا القديس يوحنا. فحين خلق المسيح إنساننا الجديد خلقه من طبيعته بطريقة لا يمكنه فيها الخطأ.

كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ. (1يو 3: 9)

نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ. (1يو 5: 18)

حقًا أن الخليقة الجديدة، التي هي من طبيعة المسيح[2]، والتي ولِدت فينا، لا تخطئ.. لكن تلك الطبيعة ما زالت صغيرة (كطفل). وحقًا ماتت الطبيعة العتيقة.. لكن ما زالت الخليقة القديمة الجسدية لها سطوتها وقوتها. وموت الطبيعة القديمة هنا هو فقط إبطال سلطانها وقدرتها على النمو في الكبرياء والأنانية وتأليه نفسها، أي تأليه الذات[3].. لكنها لم تتلاشى[4].

لذا في حياتنا الروحية يكون المسيح موجودًا فينا ونحن فيه، يكون هو رأس إنساننا الجديد بالميلاد الجديد، معطيًا طبيعتنا الجديدة نموًا ويقويها بالروح القدس، وأيضًا يميت الطبيعة العتيقة التي مات سلطانها وتموت يوميًا وتسير نحو الاضمحلال[5]. في البداية يكون الإنسان الجديد فينا طفلاً حيًا ينمو ويتقوى بالروح، والطبيعة العتيقة مائتة وتتلاشى تدريجيًا.. لكنها كبيرة وتضطهد الذي ولد بالروح، أي يسوع فينا.

لنرجع لكلمات الرسول، حيث يخبرهم أنهم جسديون ويسلكون حسب الجسد.. فالجسد وإن مات، فأنه لم يفن، وما زال يتحرك بقوة، على الرغم من كونهم قديسين[6]، والمسيح موجود فيهم.. لكن الطبيعة الجديدة صغيرة، لذلك يعتبرهمجسديين. فلنعي أن الله لا يفعل سحرًا في حياتنا، لكنه يفعل معجزة تُدعى “معجزة التجسد”. إذ يكرر قصة التجسد فينا.. فيولد الإنسان الجديد داخلنا ويكون صغيرًا وطفلاً، ثم ينمو تدريجيًا.. ويفني مع نموه طبيعتنا العتيقة التي ماتتولا يفشل[7].. حتى يمتلكنا تمامًا ويصير الكيان كله ملكه مبطلاً جسد الخطية، ويزيد هو وتنقص الأنا المائتة.. وبتصوره فينا لا أحيا أنا بل المسيح. هذا هو مشتهى المسيح ومشتهى كل شخص حقيقي.

لنعود للطفولة، ففيها تكون السمة السائدة للشخص بحسب كلمات بولس الرسول أنه جسداني ويسلك حسب الجسد. لكن بسبب حضور المسيح فيه وبسبب ولادته الجديدة، ما تم تغييره تغييرًا جذريًا هو توجه حياته كله. إذ صار اتجاهه نحو الرب، يسير ويسلك فيه. لم يعد مثلما كان قبل التوبة والرجوع والولادة الحقيقية، حين لم يكن لله أدنى مساحة في حياته.. بل صار المسيح أهم أمر في حياته ونقطته المرجعية. صار يسر بأمور الله حتى لو كانت تدينه وتحكم عليه بأنه خاطئ، لم يعد ينكرها بل أصبح يفرح ويحزن بمزيج عجيب.. هو نفسه مزيج الحضور المفرح للإنسان الجديد المفرح مع السطوة المحزنة للطبيعة العتيقة.

من الهام أن نعي أن الطفولة مرحلة حتمية ومهمة جدًا في الاختبار الروحي؛ لما فيها من متعة وعطايا وانفتاح على الله وتلقي لحياته في النفس وتشكيل لحياتنا.. فهي ليست عيبًا أو شرًا. قد يكون العيب هو البقاء فيها فترة طويلة وما يتبعه من مخاطر كما سنرى.

 

Romany Joseph
22nd May 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ. طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ. (1 بط 1: 21 – 23)

[2]وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. (رو 8: 10)

[3] فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدّم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر.

القديس أثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل التاسع – الفقرة الأولى

[4] يمكن مراجعة الأجزاء السابقة التي تتكلم عن موت الطبيعة العتيقة

[5] وهكذا صار الإنسان مكوَّنًا من عنصرين: الإنسان القديم الخاطئ الترابي المحكوم عليه بالموت والقابل للخطية؛ والإنسان الجديد الثاني الروحي من السماء على صورة المسيح ومن طبيعته القائمة من بين الأموات، والذي لا يسود عليه الموت، وهو ليس تحت ناموس الخطية بل تحت ناموس روح الحياة في المسيح، لا تسود عليه الخطية لأنه ليس تحت نيرها، بل هو تحت النعمة وقيادة الروح القدس. بل ويؤكِّد القديس يوحنا أنَّ مَنْ يؤمن بالمسيح ويعتمد له، يولَد من الله ميلادًا جديدًا، لا يخطئ، ولا يستطيع أن يخطئ، فهو من طبيعة المسيح وتحت قيادة الروح القدس

الأب متى المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 24

[6] إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَهُمْ وَلَنَا. (1كو 1: 2)

[7]  لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. (2كو 4: 16)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 41 | ما هي الطفولة الروحية

  1. swordfish says:

    go on, a great step-by-step study. bless you

  2. Pingback: عام جديد مع الله.. اجعله عام الحسم لحياتك | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s