من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 44 | سمات الطفولة | الطبيعة العتيقة تضطهد الجديدة

escape-into-egypt-john-lautermilch 

لعلنا نتعجب حين نقرأ أن المسيح وهو طفل لما اضطهده هيرودس الملك، فر إلى مصر ليقيم هناك مدة قرابة العامين حتى تهدأ الأمور؟ إذ أن مفهومنا الخاطئ عن المسيح وعن التجسد يجعلنا نتصور ونتوقع أن يفعل أمرًا إعجازيًا خارقًا وهو بعد طفل صغير، فيوقف به شر هيرودس المضطهد له فيسحقه ويدمره تدميرًا.

لكننا تعلمنا السر العظيم لحياة المسيح وطفولته في الأجزاء السابقة؛ وهو أن المسيح أتى ببشرية كاملة.. وتلك البشرية اختار المسيح أن يحل فيها بتدبير التجسد العجيب.. ذلك التدبير بدأ بإخلاء تام جعل الله الكلمة يولَد كطفل لا يعرف الكلام والحروف والأفكار، ثم يتحرك وينمو تدريجيًا وينفتح على الله الآب بحسب النمو الجسدي. لذا لم يكن في طفولته طفلاً خارقًا ولم يصنع معجزات، إذ لم يكن قد انفتح على الآب بالكامل ليأخذ ملء القوة والنعمة بعد، بل كان لا زال ينمو في الحكمة والقامة ويتقوى بالروح. لذا حين يتواجه يسوع المسيح الطفل مع الشر الكثير الموجود حوله، سيكون مُضطَهَدًا لكن عظم من عظامه لا يُمس، ويجب أن يكمل نموه بسلام ويمتلئ بالقوة والمجد لكي يهزم الشر والفساد، حتى يكتمل ذلك الانتصار في موقعة الصليب على شوكة الموت ويغلب الهاوية[1].

ونكرر، أنه فعل ذلك التدبير لكي يكمله في نفسه ثم يعطيه لنا، لكي يكون لنا نفس الحياة، فحين يولد إنساننا الجديد فينا يكون في طفولته محدود الانفتاح على المسيح الرأس، ويكون أمام شر الطبيعة العتيقة مضطَهَدًا، فالطبيعة العتيقة وإن ماتت عن النمو والتجبر، لكنها لم تفنى في لحظة كما أوضحنا، لكن مع الوقت يحدث أمران عكس بعضهما، الطبيعة العتيقة تفنى مع الوقت، بينما الإنسان الجديد ينمو، في عمليه عكسية تأسست في الصليب حيث مات الموت واستعلنت الحياة والقيامة.

لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ (العتيق – الأنا) يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ (الإنسان الجديد) يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا.  (2كو 4: 12)

نعود لاضطهاد الطبيعة العتيقة للإنسان الجديد وهو طفل والذي هو صورة اضطهاد إسرائيل للطفل يسوع المسيح ، لقد أعلن لنا بولس الرسول ذلك السر حين أخبرنا حقيقة غاية في الأهمية، وهي أن ابن الجارية (إسماعيل) الذي هو أكبر عمرًا بالطبيعة من ابن الموعد (إسحق)، هما رمزان للعهد القديم والعهد الجديد، أي عجز الطبيعة القديمة وفسادها ونعمة حلول المسيح بالوعد بالإيمان..

فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. لَكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. وَكُلُّ ذَلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. (غلا 4: 22 – 24)

ويكمل الرسول صاحب الإعلانات ويخبرنا أن حياتنا الجديدة هي نظيرة لحياة اسحق، وأن المولود حسب الجسد (الإنسان الطبيعي) الذي هو أكبر سنًا، يضطهد المولود حسب الروح والوعد بالإيمان (المسيح فينا) الأصغر سنًا..

… وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ. وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هَكَذَا الآنَ أَيْضًا. لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ». (غلا 4: 28 – 30)

هذه القصة نراها كثيرا في الكتاب المقدس، قصة الكبير والصغير، الكبير الفاسد المتجبر الذي يضطهد الصغير النقي الروحاني في البداية، وتنتهي القصة بانعكاس الوضع، ونرى الكبير مُستعبدًا للصغير في النهاية..

فقال لها الرب في بطنك امتان و من احشائك يفترق شعبان شعب يقوى على شعب و كبير يستعبد لصغير (تك 25 : 23)

فقال لابرام اعلم يقينا ان نسلك سيكون غريبا في ارض ليست لهم و يستعبدون لهم فيذلونهم اربع مئة سنة ثم الامة التي يستعبدون لها انا ادينها و بعد ذلك يخرجون باملاك جزيلة (تك 15 : 14)

إنها قصة اسحق وإسماعيل، يعقوب وعيسو، يوسف وإخوته، إسرائيل في أرض مصر، يسوع الصغير في إسرائيل المتجبر، ثنائية الصغير والكبير تملأ الكتاب المقدس، وكل هذ إنما رموز للعهدين كما قال الرسول: القديم البائد المتجبر صاحب العمر الطويل، والجديد المولود من الله. تلك الثنائية التي أدركها بالروح القدس يعقوب وبارك الصغير لا الكبير فاعلاً عكس المنطق البشري[2]، ليكون الصغير الذي لا صورة له ولا جمال، المُستضعف بمقاييس الجسد دومًا هو صورة المسيح الذي نبت كفرخ لينتصر ويغلب، في حين أن الكبير الذي يرمز للجسد والفساد والتجبر ينهزم ويضمحل دومًا.. في تلك الثنائية تتلخص كل صراعات البشرية ويتم حلها.

ولأجل نعمة الله، تلك القصة التي حدثت في المسيح الصغير المولود في إسرائيل الكبيرة، تحدث فينا. فطبيعتنا القديمة التي انقطع سلطانها وتوقفت عن النمو في الشر والتجبر، ما زالت في البداية تسبب مضايقة لذلك المولود الصغير الذي هو الإنسان الجديد؛ صورة المسيح فينا. ولذا، نجد بوقت الطفولة الروحية حالة تجبر الطبيعة القديمة في مقابل طفولة الطبيعة الجديدة والتي تجعل الإنسان يرتبك في البداية.

فمثلاً، بسبب تجبر الطبيعة العتيقة في بداية الطفولة الروحية، تجد بعض العادات والخطايا المزمنة تأخذ وقتًا حتى تتلاشى. فتجد الأنانية والذاتية موجودة ولها حضور قوي. والمولود من الله يعي هذا بسبب الاستنارة ويئن حين يرى طباعه العتيقة تضايقه في مسيرته الجديدة، ويرتبك بشدة وربما يشك في ميلاده الثاني.

ويبدأ يتساءل، “إن كان المسيح قد حل في حياتي، لماذا لا يقضي على الخطية في لحظة؟” مما يعود بنا لبداية المقالة؛ الإنسان الجديد ما زال طفلاً، إنه صورة المسيح في أورشليم بالتمام، مُضطَهَدًا من الشر في البداية، لكنه محفوظ والشرير لا يمسه[3].. ناميًا في النعمة والقامة بينما الشر يضمحل أمامه. 

 

Romany Joseph
8th June 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْرًا لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (1كو 15: 55 – 57)

[2] فَمَدَّ إِسْرَائِيلُ يَمِينَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ أَفْرَايِمَ وَهُوَ الصَّغِيرُ، وَيَسَارَهُ عَلَى رَأْسِ مَنَسَّى. وَضَعَ يَدَيْهِ بِفِطْنَةٍ فَإِنَّ مَنَسَّى كَانَ الْبِكْرَ. (تك 48 : 14)

فَأَبَى أَبُوهُ وَقَالَ: «عَلِمْتُ يَا ابْنِي، عَلِمْتُ. هُوَ أَيْضًا يَكُونُ شَعْبًا، وَهُوَ أَيْضًا يَصِيرُ كَبِيرًا. وَلكِنَّ أَخَاهُ الصَّغِيرَ يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَنَسْلُهُ يَكُونُ جُمْهُورًا مِنَ الأُمَمِ. (تك 48 : 19)

[3] نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ. (1يو 5 : 18)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s