من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 45 | سمات الطفولة | الصراع بين الجديد والعتيق محسوم لصالح المسيح

 

monicks-jesus-vs-darwin

­إن حياة الرب يسوع ضمت، كما أوضحنا، أسرار حياتنا بكل تفاصيلها. لذا، يمكننا أن نرى سر الصراع الداخلي الذي يحدث فينا بين الطبيعة الجديدة (المسيح) وبين طبيعتنا العتيقة حين ننظر لحياة الرب يسوع في أيام جسده وصراعه مع آدم الأول لأجل خلاص آدم.

لقد حارب يسوع المسيح (آدم الجديد) في معركة شرسة مع إسرائيل (آدم الأول) صراعًا روحيًا لكنه حقيقي، وانتصر لصالحنا في كل المحطات، وتوج انتصاره بالصليب والقيامة. فمنذ دخوله إلى عالمنا والبشرية الفاسدة تحاول قتله على كل المستويات. لكنه لا يموت بل ينمو هادئًا، ثم يبدأ رسالته وتدريجيًا يتصادم مع آدم الأول الذي يحاول إيقافه وتعطيل إرساليته والنيل منه وقتله أكثر من مرة لكنه يفشل، وتزيد حدة الصدامات حتي تم صلبه وقتله بالجسد وتتوهم البشرية الفاسدة أنها تخلصت منه، بينما هو انتصر عليها تمامًا وتحول موته لقيامة تنفجر لتفيض للكل، بينما مات آدم الأول في قيامة يسوع المسيح.. الذي هو آدم الأخير.

لذا… نحتاج أن نرى المسيح بنظرة مستيكية حقة. إنه آدم الجديد، رأس أورشليم الجديدة أي الكنيسة، أي أنا وأنت المؤمنون به.. لكنه يولد في أورشليم القديمة، في إسرائيل. لقد جاء لينقض الهيكل الذي تدنس بسبب فساد آدم الأول. جاء ليكون هو آدم الجديد، حاملاً الكنيسة في جسده وجاعلها هيكله. وقد فعل هذا بتدبير تصاعدي، حين ولد في وسط أورشليم، وكان ينمو ويتقوى بالروح، وفي نموه يفيض بالنعمة على آخرين من ملئه، فكان يضم لنفسه أعضاء جدد كالأغصان في الكرمة، ليكونوا فيه أورشليم جديدة، كنيسة حية بلا عيب ولا غضن، يعطيها الحياة لأنه ينبوع الحياة، تنمو وتقوي وتستعلن وتثمر فيه. وظل ينمو وكنيسته تنمو، وإسرائيل القديمة لا تقوى عليه بكل سلطتها وشرورها، ولا حتى في الصليب الذي ظنت به أنها تقضي عليه في موقعة الجلجثة.. فإذ بيسوع يقوم وينتصر، وينشق حجاب الهيكل وتُستعلن الظلمة على إسرائيل القديمة، ويُستعلن النور والبر في كنيسته التي رأسها يسوع، وتخرب إسرائيل تمامًا وينقض الهيكل القديم.

ولأننا صورة مصغرة من إسرائيل، ولأن المسيح الموجود فينا ونحن فيه هو هو نفس الشخص الذي كان يصارع إسرائيل القديمة بكامل لاهوته، وهو رأس إنساننا الجديد المولود من الله، ونحن نحمل داخلنا آدم الأول المائت بكامل شروره وفساده …فإن تلك المعركة الروحية التي خاضها المسيح في أيام جسده وانتصر فيها على الموت الكائن في شعبه، يخوضها مرة أخرى في خليقتنا الجديدة وينتصر على الموت الكائن فينا.. إنساننا الجديد يصارع طبيعتنا القديمة، وذلك الصراع مضمون ومحسوم للمسيح بقوته وشدة عمله، وكل محاولات طبيعتنا العتيقة للتمرد على المسيح أو رفضه تنتهي بالفشل[1]، وأقصى ما تفعله الطبيعة العتيقة أنها تضايق الإنسان الجديد مثلما كان إسماعيل يضايق إسحاق. والمقصود هنا من محاولات الطبيعة العتيقة هو توجهات الإنسان العتيق التي ترفض المسيح.

ويتكلم الكتاب على ذلك الصراع قائلاً:

لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهَذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟(1يو 5: 4 – 5)

لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا.(2كو 16:4)

لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ (غلا 5: 18)[2]

ويتكلم بولس الرسول في نفس الرسالة ليشرح ذلك الصراع بين الطبيعتين[3]، بين الطبيعة الجديدة أي المولود من الله الذي لا يخطئ[4] الذي رأسه المسيح، وبين طبيعتنا القديمة الفاسدة. ويشبهه بالصراع بين إسماعيل الجسداني (رمز طبيعتنا الفاسدة)، وإسحاق ابن الموعد (رمز الإنسان الجديد)،

فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. لَكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. وَكُلُّ ذَلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ (غلا 4: 22 -24)

لقد كان إسماعيل أكبر سنًا ويضايق إسحاق… ومع النمو يتم طرد اسماعيل بعيدا ليحيا إسحاق حياة المواعيد.

وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ. وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هَكَذَا الآنَ أَيْضًا. لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ ’اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ‘. إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلاَدَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلاَدُ الْحُرَّةِ.(غلا 4: 29 – 31)

من هنا نعي أن المسيح فينا في حالة صراع مع أنفسنا القديمة لصالح خليقتنا الجديدة[5]، ذلك الصراع محصلته نمونا الروحي، وفناء إنساننا العتيق. وفي ذلك الصراع أصبحنا دومًا نفعل ما لا نريد كما تقول الآية. فحين نسلك بالروح نحن نفعل ما لا يريده الجسد، وحين نسلك بالجسد نحن نفعل ما لا يريده الروح. وبالنمو وتصور المسيح فينا واستعلانه تصبح جملة “تفعلون ما لا تريدون” هي تحقيق لفعل مشيئة الآب فينا بعمل المسيح وعدم عمل مشيئة إنساننا العتيق كما كان ذلك واضحًا في كلمات المسيح لبطرس حين يُستعلن نموه.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ (المسيح فيك) يُمَنْطِقُكَ وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ (ذاتك القديمة). (يو 21: 18)

 

Romany Joseph
14th June 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1] هنا الكلام للمولودين من الله ومن قبلوه لكن في حياتهم يفاجأون أن طبيعتهم العتيقة تتمرد وتحاول أن تجذبهم لأسفل.

[2] لقد عالج ق. بولس هذه المضادة التقليدية بين الجسد والروح في رسالته إلى أهل رومية (5:8-9و12 إلخ) وانتهى إلى أن الجسد تنتهي أعماله بالموت والروح هو روح القيامة للحياة الأبدية.: لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدَّد يومًا فيومًا. « (2كو 16:4)

بمعنى أن الإنسان الجديد المدعو”بالداخل“ المخلوق بحسب الله في المسيح المدعو للحياة الأبدية، لا بد أن يرتقي بالروح الذي فيه وينمو يومًا فيومًا بقدر ما يغتذي على الإنجيل والنعمة والحق. بينما الإنسان العتيق وهو المدعو ”بالخارج“ أي الظاهر، فإنه بقدر ما ينمو الإنسان الجديد بقدر ما يتقهقر العتيق، لأن الجديد ينمو على أساس التخلِّي عمَّا للقديم من تسلط ووجود وقوة. والعتيق نهايته التراب حتمًا وأمَّا الجديد فالسماء موطنه الموعود. وق. بولس يعود ويصوِّر هذا التبادل العجيب في الموت والحياة داخل الإنسان بين ما هو قديم وما هو جديد أو ما هو للأرض وما هو للسماء هكذا: + » لأننا نعلم أنه إن نُقِضَ بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماوات بناءٌ (روحيٌّ) مِنَ الله، بيتٌ غير مصنوعٍ بيدٍ، أبديٌّ. «(2كو 1:5) ثم يعود ويكمِّل حتمية هذه المبادلة العجيبة داخلنا بين الموت والحياة كواقع لا مفر منه: » فإذ نحن واثقون كل حينٍ وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغرِّبون عن الرب. «(2كو 6:5)

الأب متي المسكين – تفسير رسالة غلاطية الإصحاح الخامس عدد 18

[3]  لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يُقاوِم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. (غل 17:5)

[4] ومن هنا كان -كما سبق وقلنا- تصميم الله أن يخلقنا من جديد خلقة روحانية بالميلاد من فوق، مفصولة نهائيًا عن مصدر الخطية ومفاعيلها وآثارها. لأنه ميلاد من الله من طبيعة جسد القيامة الذي للمسيح الذي أبطل الخطية وألغى الموت عن الإنسان الجديد الذي قام به. لذلك كان قول القديس يوحنا صادقًا ويتحتَّم الالتفات إليه، أنَّ: «المولود من الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ». هذا هو الإنسان الجديد الذي ورثناه من المسيح كآدم الثاني؛ الذي وإن صحَّ أن يُقال إنه أبونا الجديد عِوَض آدم، إلاَّ أنه أعطانا التبنِّي معه وفيه لله الآب، لذلك دُعِيَ أخانا البكر (رو 29:8)، بكر القائمين من بين الأموات (كو 18:1)، مع أننا محسوبون أننا مخلوقون فيه وعلى صورته.

والذي ينبغي أن نقف عنده ونتمسَّك به هنا، أن جسدنا الروحي الجديد لا يخطئ ولا يموت، إذ هو قائم في المسيح يسوع ومتَّحد به: “فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ” (غل 20:2)، “وأما مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو 17:6)، “أنتم فيَّ وأنا فيكم” (يو 20:14)، “مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير” (يو 54:6)، “مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَنْ كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.” (يو 25:11و26)

وواضح أن الصراع بين الجسد العتيق والجسد الجديد الروحاني ليس في طبيعة كل منهما، ولكن في الإرادة والمعرفة. فالجسد العتيق تتحكَّم فيه شهوات التراب (العالم) التي خضع لها آدم أبوه، ودائرة معرفة الجسد العتيق مربوطة في الماديات وحدودها العقل. فكل ما هو غير معقول أو فائق مثل الروحيات، جهالة عنده.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 27 – 28

[5] ولكن يعطينا بولس الرسول تأكيدًا أن كفة الإنسان هي الأقوى، لأنالإنسان الجديد محكوم بالنعمة ومقيَّد بالروح، ولا يعمل الجسد العتيق في حضرته إلاَّ خلسة “فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة.” (رو 14:6) وهنا يتضح أن الجسد العتيق لا يزال له الفرص أن يعمل حسب شهوات التراب، ولكن يؤكِّد لنا بولس الرسول أن” الجسد ميت“، أي في حكم الموت مع الخطية التي تعمل.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 24

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s