من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 47 | سمات الطفولة | محدودية الشركة مع الرب

29296c751a390ac9295853b04d199f361f99e-xl 

إن مساحة الشركة بين الطفل وأبيه محدودة، بسبب فرق القامة بين الاثنين. فحياة الأب أكثر عمقًا وثراءً من حياة الطفل بما لا يقاس، وما يوجد في حياة الأب أغلبه أمور لا يستوعبها الطفل. فالطفل لا أهداف الحياة أو مبادئها، ولا مشاكل العمل وضروريته، ولا إدارة المنزل ومشاكله، ولا تحديات الحياة ولا الظروف ولا أي أمر من ذلك. والأب بتلقائية يدرك هذا ويعيه ويشارك ابنه بأمور بسيطة تتناسب ومقدار استيعابه، ومع الوقت والنمو يدرج الأب ابنه في المعرفة والنضج وتزيد مساحة الشركة بينهما.

في الطفولة، بسبب الطبيعة الجديدة المولودة صغيرة ومحدودية انفتاحها على الآب..والتي يقابلها في المقابل الطبيعة الجسدانية التي لم تعد تنمو ولن تزيد في التجبر والشر لكنها موجودة.. نجد كنتيجة لهذا الوضع أن التكريس في الحياة بشكل عام غير واضح المعالم، والشركة مع الرب محدودة، وتوجد محدودية سواء في طريقة الحياة أو في الأوقات المخصصة للرب، ومحدودية في استيعاب الكلمة المقدسة والأمور الروحية وعمقها وأسرارها.

هذا الأمر منطقي جدًا، فالطفل يسلك بنظرته المحدودة للحياة، والتي في الغالب تتلخص في كوني ابنًا في بيت أبي أفرح به وهو يهتم بي ويحبني وأحبه وهو كل شيء لي. الطفل يكون ذا محدودية في الأفق الروحي وعدم إدراك للسماويات والطول والعرض والعمق والعلو. فلا يدري أسرار الملكوت والحرب الروحية بين مملكة النور وقوات الظلمة، ولا غاية الحياة، ولا يستوعب الدعوة التي هو مدعو إليها ولا يميز وزناته، ولا عيب في كل ذلك، فالبيت وأبي هما كل الحياة. وتلك النظرة الصغيرة المحدودة للأمور تكون متماشية مع ما يعرفه عن الأمور الروحية وأسرار الملكوت.

أيضا في الطفولة توجد محدودية رؤية الله في كل أمر من أمور الحياة بسبب القامة الصغيرة، ففي حياة الطفل هناك أمورًا لا يستطيع أن يرى الله فيها، وإن اشتهى ذلك، لكنه يعجز أن يرى فيها الرب ولا يقدر أن يفهم تدخله بسبب محدودية استيعاب كيانه الجديدة.

أذكر أني في بداية علاقتي مع الله كنت، ورغم التحول الحقيقي في حياتي، أخرج كثيرًا وألهو واهتم بأمور كثيرة عالمية. لكن حضور الاجتماعات وقراءتي اليومية للكتاب وصلاتي كانت ممتعة للغاية ومفرحة، لم يكون حضور الله في كل أمور حياتي قوي، ولم يكن من المستطاع أن يكون حضور كثير ومعلن، لأني طفل جسداني، ومع الوقت والنمو يمتد عمل المسيح وخليقته الجديدة فينا ليملك على الحياة كلها تدريجيًا فيكون كل ما يفعله الإنسان لمجد الله ويتقدس فيه بعمق وقوة.

ولقد أعلن الرب يسوع ذلك علانية حين قال لتلاميذه:

إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ (لأنكم أطفال في المسيح).وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ (حين يأتي وقت البلوغ) فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ.(يو 16: 12 – 13)

لم يحتمل التلاميذ أمورًا روحية أعظم بسبب طفولتهم، لكن المسيح أعلن أنه بحلول الروح القدس بمستوى مختلف (نضج التلاميذ بعد الصليب وحلول الروح القدس فيهم بمستوى الامتلاء) سيرشدهم لجميع الحق (يسوع الكامل).

ونقف منبهرين أمام عظم كلمة الله والروح الواحد حين قال بولس نفس الكلمات لأهل كورنثوس وبينهم وضع رسالته:

وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِسَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ (1كو 3: 1 – 2)… (محتوى رسالة الطفولة)….. وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ.لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ. (1كو 13: 10 – 11)

كلمة الكامل هنا هي “τέλειος[1] وتعني البالغ أو كامل السن[2]. وفي كل المرات التي وردت فيها اللفظة اليونانية، كان لها نفس المعني. وقد أشار بولس الرسول علانية أن الكامل الذي ننمو له هو ملء قامة المسيح:

إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. (اف 4: 13)

ويكمل كاتب عبرانيين بنفس الروح وهو يوبخ عبرانيين على الطفولة ويحثهم على نمو البلوغ، فيقول:

وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ “τέλειος“، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.،   لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ teleiotēs[3] (عب 5: 14 و 6 : 1)

وهنا نقف أمام إعلان نسجد وننحني أمامه.. فكل تلك الآيات باختلاف مواضعها وظروفها تكلمت على مرحلتين واضحتين؛ هما الطفولة والبلوغ. نحن في حالة نمو دائم كما كان الرب يسوع ينمو في أيام جسده هكذا ينمو الإنسان الجديد فينا. وأيضًا، توجد نقلة من الطفولة للبلوغ، نتقدم فيها للكمال.. تلك النقلة سنتحدث عنها لاحقًا وبالتفصيل. لكن المذهل هنا هو وضوح المراحل ووضح الهدف النهائي الذي وضعه الرب لنا وهو أن نصل لملء قامته. فمجدًا لهذا الإله الذي أقامنا وخلصنا وبررنا ودعانا لنحيا حياة مجيدة تفوق أقصى احلامنا وتخيلاتنا.

 

Romany Joseph
22nd June 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


 

 

 

 

[1] Strong Number – G5046

 

[2] complete (in various applications of labor, growth, mental and moral character, etc.); neuter (as noun, with G3588) completeness: – of full age, man, perfect.

 

[3]G5047

τελειότης

teleiotēs

tel-i-ot’-ace

From G5046; (the state) completeness (mentally or morally): – perfection (-ness).

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s