من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 48 | سمات الطفولة | تعامل الله من الخارج

sheep 1

حين يولَد طفل، تكون كل التعاملات مع والديه خارجية.. يحيطونه بالرعاية والحب والحنان والاحتواء، من مأكل ومشرب ونظافة، وتعليم وتوجيه وإرشاد. فهو طفل لا يعرف شيئًا، وواقع طفولته يقول أنه غير قادر على فعل أمور كثيرة لمحدوديته. لكن كلما نما في طفولته وانفتح على أبويه، كلما استقبل منهما أكثر وأكثر. وتدريجيًا، تنتقل حياة أبويه له كلما نما وتعلم، وتنمو أعضاؤه الجسدية، وينمو عقله، ويصبح مؤهلاً تدريجيُا ليستقبل من أبويه أكثر وأكثر. وببطء يصبح قادرًا على فعل أمور أكثر. كان يحتاج أن يطعمه أحد في سنواته الأولى لأنه لا يعرف أن يطعم نفسه، لكن حين يصل لسن عامين، يستطيع أن يأكل بنفسه وليس على الأبوين إلا اعداد الطعام وتحضير المائدة أمامه وحسب. لقد نما قليلاً وأصبح قادرًا على تناول طعامه بنفسه، ولو بقليل من التوجيه. وكلما نما أكثر، قل تدخل الأهل في طعامه وزادت مسؤوليته هو. إذ يزرع الأبوان فيه كل يوم أمورًا جديدة تتناسب مع نموه، حتى يصبح رجلاً قادرًا مثلهما، ويعمل أعمالهما وأعظم منها كما قال المسيح بنفسه!!

في الطفولة، يكون الإنسان الجديد المولود من الله فينا صغيرًا. وذلك المولود رأسه هو المسيح، وبالمسيح الرأس يعاين الله الآب وينال التبني، كون الإنسان الجديد في مرحلة طفولة، يكون إدراكه لذلك موجود في كيانه الجديد لكنه محدود، لذا تجد الإنسان الجديد كالطفل تمامًا الذي يرنو لأبيه في كل كبيرة وصغيرة بطريقة طفولية. ففي مواقف الحياة التي تواجهه، لا يجد الكثير داخله كي يميز ما يجب أن يفعل، فهو صغير، فيتجه بتلقائية لله أبيه في صلاة –قراءة كتاب– ارشاد مؤمنين أكبر منه.

في الطفولة، لا تكون العين مفتوحة على كوني صورة الله الآب في المسيح. لا تكون الرؤية واضحة أن الخطة أن أنمو وأصير صورة الله. إنما ينحصر الأمر في الارتماء في أحضان الله لكي يدبر حياتي ويرعاني وحسب. لذا لا يدرك الطفل أن ملكوت الله فيه وداخله، لأن صورة الملكوت لم تكتمل بعد.. إنما يدرك أنه مولود جديد وحسب. فلا يستوعب أن الله يريد أن ينقل الحياة الكائنة فيه لتكون داخله.

أذكر أن أحد أولاد الله الأنقياء شاركني أنه في بداية علاقته مع الرب كان الرب يوجهه بوضوح في تعاملاته وخدمته الصغيرة، ماذا يقول لهذا، وماذا يقول لذاك، ومتى يصمت ويسمع لهذا، ويشفق ويتحنن على هذا، ويكون صارم مع ذاك.. كان الله يحركه بقوة ويميز صوته في خدمته.

ثم تدريجيًا، وبمرور الوقت خفت ذلك الصوت الرقيق الذي يوجهه، ولم يعد يسمعه، فأصبح في ارتباك، ومر بأزمة وظن ان الله تركه أو أنه يطفئ روح الله فيه. وبالتدقيق والمشاركة سويًا وجدنا أنه مع الوقت كان ينمو في النعمة والقامة مثل مسيحه، وكان تمييزه الروحي الداخلي ينضج ويتصور المسيح فيه تدريجيًا. لقد سكت الصوت الخارجي مع الوقت لأنه نما داخليًا بنفس مقدار السكوت الخارجي. فصار الآن قادرًا إلى حد كبير أن يميز متى يتكلم ومتى يسكت، ماذا يقول وما لا يقوله، متى يترفق ومتى يكون صارمًا.. وحين يتعرض لموقف أكبر من قامته، يتكلم الصوت الخارجي فيه ويرشده.

تمامًا كما أن الطفل في مرحلة ما يحتاج أبيه لكي يمسك يده ويعبر الطريق به، وتدريجيًا يبدأ الطفل ملاحظة السيارات وإدراك أصول ومبادئ عبور الطريق. وبالنمو أكثر يبدأ يعبر وحده الطرق السهلة ويتدرج لعبور أصعب الطرق. لقد انتقلت الحياة والمعرفة مع النمو إلى داخل كيان الطفل ولم يعد محتاجًا مساعدة خارجية من أبيه لأن الحياة والحكمة سكنت فيه.

كذلك في الحياة الروحية، هناك وقت يحتاج الإنسان الجديد فيه لقيادة وإرشاد الله من الخارج. فمن سمات الطفولة التعامل الخارجي أكثر من الوعي الداخلي، ثم تدريجيًا يجد الإنسان أن ما يحتاجه لكي يعبر بعض المواقف أصبح موجودًا داخله بالفعل. ولعل هذا يصيب الكثيرين بالارتباك حين تقارب مرحلة الطفولة الانتهاء، فتجدهم يرتبكون ارتباك المراهقة ويظنون أن الله قد صمت ولم يعد يتكلم، أو أنهم تركوه أو هو تركهم، أو أن هناك شيء خاطئ في حياتهم. لكن مع الوقت ينمو إدراك الطفل أنه ينمو وينضج، ويعي أن الله الآن يتصور فيه ويصير داخله أكثر من خارجه.

 

Romany Joseph
28th June 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s