من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 49 | سمات الطفولة | حضور الله على مستوى العيان

24

إنها تلك المرحلة التي عاشها شعب اسرائيل يرون إله يعمل عجائب ليخرجهم من أرض مصر، ويقودهم بعمود نار وسحاب نور، ويطعمهم بطريقة اعجازية..

إنها تلك المرحلة التي كان التلاميذ فيها في حضور رب المجد بالتجسد، يعلم ويتكلم ويرشد ويوبخ وهم في طفولتهم ينمون ويفرحون بحضوره..

إنها نفس المرحلة التي يعبر فيها كل منا في بداية علاقتنا مع الرب، حين نكون أطفالاً ويكون هو الملجأ والحماية والضمان، حيث تشعر بحضوره بقوة على مستوى المشاعر والأحاسيس الملموسة.. تراه يصنع عجائب معك ويحميك في كثير من الأمور، يحقق لك الوعود، يحفظك من الشرور، يظلل عليك، يسندك ويخرجك من الضيقات، يلبي رغباتك وأحلامك.

تلك السمة في العلاقة مقبولة تمامًا في مرحلة الطفولة، فالطفل الروحي بسبب محدودية الوعي الروحي عنده لا يستطيع أن يرى الله إلا في الأمور الملموسة التي سبق وذكرناها. لماذا لا يستطيع الطفل أن يرى إلا ذلك؟ السبب بسيط، لأنه في طفولته جسداني، وما زال لا يدرك ويعي نفسه ورسالته ورغبة الله في أن يغيره ويشكله من الداخل، كل تلك الأمور بالنسبة له غامضة بسبب طفولة الوعي الروحي ومحدوديته.

لذا تجده بعد ميلاده الثاني يرى الله مثل إسرائيل، عالمه ملموس وليس في الداخل، ودليله على حضور الله في حياته هو العيان في مواقف الحياة. وحين يرى هذا، يتشدد ويفرح، ويتمكن من استشعار حضور الله ويتقوى إيمانه به. لو أخبرت طفلاً أن الله معه في مشكلته فهو لن يرى هذا حتى يتم حلها. لو أخبرته أن الله موجود في حياته وينميه ويحبه، ستجد ذهنه يبحث عن دليل مادي ملموس يثبت به الحضور والحب. هذه مرحلته والله يتفهمهما.. فالطفل المولود من الله عالمه صغير.

في بداية علاقتي مع الله كان مفهوم حضوره هو أن يسندني في الدراسة ويعطيني النجاح فيها ويحميني من أية مخاطر ومشاكل، ويباركني ماديًا وعمليا حين أتخرج من كليتي. كان ذلك كل عالمي، كان ذلك سقف أفقي، كل ما أفهم وأعي وأراه تحديًا.. تمامًا مثل إسرائيل، لم أكن استوعب بعمق معنى التغيير الداخلي. لم أكن أعي احتياجي لأن أتغير من الداخل وأن أتشكل. والله بكل صبر وطول أناة يصبر حتى ينمو وعينا الروحي وتتضح أبعاد وعمق وعلو رؤى الملكوت، أي مُلك الله في حياتنا.

بل حتى في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس وحضور الاجتماعات، تجده يبحث عن المشاعر الملتهبة والأحاسيس القوية. فلو صلى ولم تلتهب مشاعره، لا يحسب نفسه أنه تكلم مع الله. ولو في قراءته للكتاب المقدس ولم تلمسه آية واضحة، لظن أن قراءته باطلة. تلك هي مقاييسه: العيان، والعيان فقط في أغلب الأحوال.

انظر لشعب إسرائيل.. لم يكن يرى الله إلا حين يفعل معهم عجائب، وتأملهم بعد عبور البحر الاحمر، ستجدهم متهللين فرحين يرنمون وينشدون بكم صنع الرب معهم. بل حتى المسيح حين بدأ خدمته راعيًا طفولة شعبه، قام بعمل معجزات كثيرة لكل من يؤمن به ببساطة[1]، وعلم تعاليم تتناسب مع استيعابهم المحدود[2]، لأنه يدرك أننا في مرحلة الطفولة الجسدانية لا نستطيع أن نرى الله إلا بهذه الطريقة والمحدودية.

 

Romany Joseph
1st July 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1] هنا المعجزة جاءت عند المسيح ضرورة لرفع رؤية الإنسان من المنظور المادي الجامد الذي كان يعتبره منفصلاً عن الله ومخلوقًا بذاته، إلى رؤية الفائق للطبيعة في المعجزة، فيرى الله في خلقه عينًا جديدة للأعمى. فمع أن العين الجديدة مادية، ولكن المعجزة الفائقة على الطبيعة جعلته يرى الله فيها. وهكذا ربطت المعجزة مرَّة أخرى بين الخليقة وخالقها بصورة مؤكَّدة محسوسة، لأنها أعطته رؤية ”جديدة“ لما هو فوق الطبيعة!

لهذا يُقال إن الخليقة الجديدة بالميلاد من الماء والروح هي خليقة فوق الطبيعة أو ميلاد جديد سماوي. لأنها أخذت أصولها من فوق الطبيعة. لذلك أيضًا يتحتَّم أن يرتفع الإنسان في معرفته إلى ما فوق الطبيعة حتى يُدرك خلقته الجديدة ويحقِّقها.

والمعجزات بهذا الوضع تقدِّمنا بالاستعلان الذي فيها من نحو الله الخالق والقادر على كل شيء كدرجة هامة جدًا لتعيد علاقتنا ثم شركتنا مع الله بالإيمان. كما أنها تعطي الانطباع إلى الإنسان الذي يتوقَّف مفكِّرًا عند معجزة الإقامة من الموت أن الإنسان يستمد حياته من الله وليس من أي مصدر آخر. وبهذا القدر من التداخل في محيط الفائق للطبيعة يقترب الإنسان من الله بحسّه الداخلي الذي يُزكِّي الإيمان.

الأب متى المسكين – المسيح حياته وأعماله – الجزء الثاني: العنصر الإيجابي في المعجزة والغاية منها – ص 134

[2] لقد تميَّزت تعاليم المسيح بالتنوُّع في العمق والمستوى. ففي الأساس يبدأ المسيح على المستوى العام ويترفَّق بالجهال وضعاف الفكر، فينزل إلى أقل مستوى، الذي حينما نواجهه نحن نتضجَّر، ولكن ما أن يحس أن السامعين قد استوعبوا الفكر، فإنه يرتفع قليلاً قليلاً ليبلغ بهم الحقائق الهامة والجوهرية. فهو ينزل إليهم ليرفعهم إليه. وهذا هو أسلوب الله نفسه مع كل البشرية. والمسيح يستخدم هذا الأسلوب من البداية حتى وإلى أقصى ارتفاعه، فهو يتباسط مع الجاهل، ولكن يرتفع إلى مستوى العارف ويمدّه بأرفع من معرفته ليرفعه هو الآخر إلى مستواه. وفي الطريق فإن الذي ابتدأ يعرف يمدّه بقوة روحية كاشفة إضافية ليزداد في معرفته حتى النهاية. ونحن نقرأها في نهاية تعاليم المسيح بالنسبة لتلاميذه: » حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب «(لو 45:24). فحتى إذا كانت هناك معلومة جديدة يودّ أن يُدخلها في أذهانهم، فإنه يبدأ من مستوى الدرجة التي يعرفونها والمعلومة التي يكونون متأكدين منها، ومن هذه يرتفع إلى الجديد والأعلى. بهذا الأسلوب بدأ مع تلاميذه لينير ذهنهم بالحياة الأبدية. علمًا بأن المسيح كمعلِّم إلهي كان يستخدم قدرته الروحية في توسيع مدارك التلاميذ حتى يستوعبوا الأمور الإلهية: » إلى مَنْ نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك «(يو 68:6). واضح هنا أن المسيح وضع بذرة المعرفة التي بدأت تفتح ذهنهم. وإلى الآن فقارئ الإنجيل إن كان نشطًا وأمينًا تنسكب عليه النعمة فينفتح ذهنه ويُدرك أسراره، إنها نعمة الإنجيل الخاصة بمحبيه: » ليس أحد ترك … لأجلي ولأجل الإنجيل «(مر 29:10). الإنجيل هنا هدف حياة!! ومعروف أنه لولا أن المسيح تنازل إلينا متجسِّدًا من علو مجده ما كان ممكنًا للطبيعة الإلهية أن تترفَّق بالإنسان هكذا، نزولاً وارتفاعًا لكي تتوافق مع إمكانياتنا الضعيفة لتبلغ نفس الإمكانيات التي يريدها الله.

الأب متى المسكين – المسيح حياته وأعماله – الجزء الثاني: منهج الخدمة عند المسيح من واقع الإنجيل – ص 115

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 49 | سمات الطفولة | حضور الله على مستوى العيان

  1. Andrew Atef says:

    انا فهمت بس سؤال مع النمو برضوا هيبقي فيه حضور و بتهيألي دائم اية المانع
    واصلالي حتة ان حتي لو مفيش معاملات واضحة من الله او حضور قوي النمو شــغال
    مفيش مانع ان اعمال العناية مكمله صح !

    • RomanyJoseph says:

      طبعا بيكون
      بس بشكل اعمق اوقوي اوي
      من انه يكون شخص خارجي وتدريجي الاقيه جوايا، المسيح فيا يتصور
      وطبعا اعمال العناية مكملة ويوم ما يكون في ضيقة بيكون المسيح اللي فيا قدها ويتعامل معاها

  2. Michel Mina says:

    اشكرك من أجل هذة المقالة الرائعةالرب يباركك و يجعلك نور للكنيسة دائماً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s