من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 50 | سمات الطفولة | السلوك بجسدانية طفولية

prodigal-son

نحتاج أن نتتبع الطبيعة الجديدة منذ ولادتها فينا[1] ، والطبيعة العتيقة في بداية موتها بصليب المسيح داخلنا.. لكي نفهم الحالة التي يعيشها الطفل المولود. فالمولود الجديد الآن يتحرك نحو الله وفي العالم بمحصلتين؛ طفولة الحياة الجديدة، والحياة العتيقة التي ماتت لكنها لم تفن في لحظة. لذا وصف بولس الأطفال أنهم جسدانيين.

يمكننا أن نرى شكل حياة الطفل جليًا في حياة التلاميذ مع المسيح، فهم كانوا أطفالاً لهم سلوكيات جسدانية. كذلك تبعية الجموع للمسيح كانت تصب في اتجاه تلبية الاحتياجات. لكن نجد أروع وأوضح قصة يمكن أن نرجع إليها هي قصة الابن الضال وعودته. لقد اعترف الابن في نفسه بفشل حياته التام وانهيارها الكامل.. وحتمية الرجوع لبيت الآب ولو كأجير.

لقد خرج من البيت لأجل نفسه.. وحين رجع، رجع أيضًا لأجل نفسه. لعل هذا يتضح في كلمات الابن الضال حين رجع، فهو رجع لأجل “أنا” وأجرتها وإنقاذها من الهلاك:

فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا!أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَوَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. (لو 15: 17 – 19)

لنراجع جيدًا الكلمات التي تكشف أعماقه وسوف تحدد شكل الحياة الطفولية التي سيعيشها في بيت الأب في البداية..

حين خرج الابن الضال من البيت كان محور حياته هو “أنا”، وكان الدافع هو “أنا”، والحياة على طريقتي “أنا”.. وحين فشلت الـ “أنا” في تحقيق ما تبغيه في الكورة البعيدة وعاشت في مستوي اقل من الخنازير،قرر أن يعود لبيت الأب بنفس النظرة المتمحورة حول الأنا لكي ينقذها ويحيها.نعم.. لقد رجع لبيت أبيه بنفس النظرة، لكن الخبر الجيد أنه اعترف بفشله..فشله أن يجد نفسه بطريقته بعيدا عن أبيه، وقرر ألا يستمر فيها أبدًا. الخبر الجيد أنه راجع ليحيا حسب ما يمليه عليه أبوه الفاهم.. وهو الآن يريد أن يجد الـ “أنا” بحسب طريقة أبيه.

نكرر أن رجوعه المتمحور حول الـ”أنا” أمر مقبول وليس عيبًا كبداية. ولعل الدليل أن الأب قبله فرحًا جدًا.. ولم يلمح أنها علاقة مصلحة مثلاً. فبالحقيقة الابن في ضعفه وتوبته وتعلمه الدرس، أدرك أن الأب هو مصدر وسر سعادته وحياته.. ورجع ليرمي بكل كيانه على أبيه..وما العيب في ذلك.. إنه مقبول..لكن لا ينبغي أن نبقي كذلك للأبد.

لقد نجح الأب البارع المحب في زرع العلاقة الحية في أعماقه، حين قبله وهو يتمنى أن يكون عبدًا وأرجعه ليكون ابنًا. فامتلأ الابن بالفرح الذي لا يُنطق به، والمحبة الشديدة الصادقة لذلك الأب بعد ما بدد ميراثه وجلب العار لاسمه. تلك النقلة التي يصنعها الأب بكل حكمة وفطنة تزرع علاقة حقيقية حية بينه وبين الابن.. فيولد المسيح في الأحشاء حين تستعلن للعين المحبة الغافرة لخطايا أجرتها موت، والمسامحة على ماضٍ مهين.

لكن يظل الابن الضال عند رجوع طفلاً. نعم.. لقد كان من شأن محبة الأب وقبوله وغفرانه أن جعل حياة جديدة تدب في داخله.. لكنه ما زال ينظر لأبيه بنظرة واحدة.. يمكن أن نلخصها في كلمتين أنه هو “ملبي الاحتياجات”. ليس كعلاقة مصلحة أنانية.. لكن كطفل عاجز له حياته التي يريد أن يبنيها في ظل حياة الأب وفي بيته. فتبقى مشكلة أنه يتعامل مع أبيه بمحبة حقيقية، لكن من منطلق الـ “أنا”.

لقد أصبحت الحياة محورها هو شخص الله، لكن العلاقة تصب على الأخذ من ذلك الأب، محورها هو الرب الذي يشبع الأنا، مازال ذلك المولود الجديد يفكر في الـ “أنا”.. حياتي “أنا”.. أحلامي “أنا”.. متطلباتي “أنا”.. مساعدة أبي بطريقتي “أنا”.. الخدمة في بيت أبي حسب ما أراه “أنا”.. تبعية الرب بمنهجي “أنا”..

لكنه لا يعلم أن أبيه يحمل له مفاجئة سارة جدًا، وهي أنه سيساعده على التخلص من الـ “أنا” التي تمرر حياته وتؤرقها.. فيبدلها لتكون لا أحيا “أنا” بل “المسيح” يحيا فيا. فالآب حين يعطينا عطايا بالمسيح تكون مختلفة عن عطية العالم تمامًا (ليس كما يعطيكم العالم أعطيكم أنا)[2]. فما يأخذه الابن من الأب في المسيح ولو كان عطايا جسدية ومادية، فهي تبني كيانه الروحي وإيمانه بسبب كونها آتية بطريقة مختلفة تمامًا عن فكر العالم ومنهجه. إنها آتية من الله وبفكر الله ومنهج الله. إنها عطية السماء وهي تبني الإنسان الجديد بطريقة سماوية روحانية. بل وكونها سماوية من فوق، يجعلها تميت أكثر الإنسان الترابي الذي من أسفل وتفنيه، لكونها تعلن وتثبت حقيقة فشله وعجز طرقه الجسدية الباطلة التي تثمر موتًا. فيزداد إيمان الإنسان بالله وينمو ويتقوى.

هنا حتى جسدانية الطفولة في المسيح تتقدس وتتطهر بعطايا الله الصالحة لتشكل إنسانًا يرى الأمور بطريقة مختلفة من الله، فتكون فرصة لنمو الانسان الجديد وفناء القديم.

 

 

Romany Joseph
20th July 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


 [1] إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. (2كو 17:5)

[2]  (يو 14 : 27)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s