من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 51 | سمات الطفولة | النظرة لله كسيد أعلى وأنا كعبد أدنى

Set-Free-Jesus-My-Ransom-web-880x1024

حين عاد الابن الضال لأبيه، العودة التي اعتبرها أبوه نقلة من الموت للحياة، أي ميلاد ثاني، قال الابن في نفسه جملة نحتاج أن ننتبه لها:

فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. (لو 15: 17- 19)

ما الذي جعل الابن الضال يحلم أن يكون كالعبد ويحاول وضع أبيه كسيد؟ رغم كونه ابنًا لذلك الأب؟ السبب بسيط.. إنه قد اكتشف بشاعة حاله ونجاسته والتلف الذي أحدثه، ذلك الإعلان القوي بحقيقة وضعه وشروره وما أفسده، وفي نفس الوقت يقينه بصلاح أبوه وروعته، هاتان الرؤيتان تخلقان في داخل الإنسان شعورًا قويًا بعدم استحقاقات البنوة، فصار حلمه أن يرجع مثل العبد في البيت.

اسأل شخصًا في بداية علاقته الحقيقية مع الله، وقل له كيف يرى الله وكيف يرى نفسه؟ ستجده في الغالب يسرد الشعور الأمين الذي رجع به الابن الضال، وبه يسلك ويتعامل في بداية علاقته مع أبيه.

لذا، نجد أن الطفولة الروحية تحوي مشاعر حب، إلا انها لا تخلو من النظر لله كقوة عليا ومتحكمة في الأمور أكثر من التلامس مع حقيقة أبوة الله. ورغم أن الأب لم يرغب بهذا وأعطى الابن كل مكانته السابقة، إلا أن الابن في الغالب من المستحيل أن يدرك بنوته ويحياها بسرعة، إنما يستغرق ذلك الأمر بعض الوقت. وقت يكون فيه رغمًا عنه خجلاً من فعلته القديمة ومن حاله.. وقت يكون فيه ممتنًا لذلك الأب الرائع بإحساس يشوبه المديونية أكثر من الحرية التي نالها.. وقت يخطئ فيه كثيرًا في بيت ابيه بحكم طباعة القديمة، أكثر من كونه يفعل مشيئته في الحياة الجديدة.

وليس هذا فقط، بل يتطرق الأمر أحيانًا إلى النظر للنفس نظرة أقل من العبد وخصوصًا في البداية. انظر لكلمات الكنعانية حين قابلت يسوع المسيح:

وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَمِيَّةً وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً – فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: «دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ». فَأَجَابَتْ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ». فَقَالَ لَهَا: «لأَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ». فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ الشَّيْطَانَ قَدْ خَرَجَ وَالاِبْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْفِرَاشِ. (مر 7: 26 – 30)

لم يكن المسيح يهينها أو يقلل من قيمة الأمم ومكانتهم كما هي عادة اليهود في كبريائهم. فهو الذي علِّم أن أولين يكونون آخرين، بل وفي المجمع قال انهم أفضل من اليهود، واستشهد بشفاء نعمان السرياني وإرسال إيليا لأرملة صرفة صيدا حتي أنهم غضبوا وقاموا ليقتلوه[1]. إنما كان يسوع يخرج ما في داخلها من مشاعر دونية، مشاعر أمينة رغم سعيها خلف المخلِّص، لكن هكذا ترى نفسها، والدليل أنها لم تعترض ولم تقاوم كلماته، بل قالت أن اقصى أحلامها أن تأكل الفتات الساقط من المائدة.

أتذكر أنني حين شاهدت الفيلم المسيحي “The Perfect Stranger”، والذي يصور يسوع المسيح يرتدي ملابس حديثة مثلنا، ويتعشى في مطعم ببساطة مع سيدة عادية، تلامست بقوة مع إحساس المرأة الكنعانية. فرغم كوني في علاقة مع الله، إلا أني وجدت داخلي شعورًا قويًا أنه من المستحيل أن أتخيل نفسي أكل مع المسيح هكذا ببساطة على مائدة واحدة ونتشارك الحديث، إنما آخر احلامي هي الفتات الذي يسقط من المائدة. تمامًا كما الكنعانية، فهذه هي مشاعر البدايات.

ولهذه الأسباب لا يدرك الطفل البنوة كما ينبغي ولا يحيا ملئها؛ لأنه في الواقع ما زال بعيدًا عن ذلك الملء. فتجده يتعامل مع أمور الحياة وله نظرة خاصة عن الله، مثل التركيز الشديد والأمين على طاعة الوصية بحسب ما يفهمها، وتوقع الثواب والعقاب بحسب سلوكه، وعدم استيعاب ان كل ما للأب هو له. ولعل أكبر نتيجة لتلك النظرة هي التركيز الشديد والأمين على الخطية ومحاولة تجنبها بكل الطرق.

ولهذه الأسباب لا يدرك الطفل البنوة كما ينبغي ولا يحيا ملئها؛ لأنه في الواقع ما زال بعيدًا عن ذلك الملء. فتجده يتعامل مع أمور الحياة وله نظرة خاصة عن الله، مثل التركيز الشديد والأمين على طاعة الوصية بحسب ما يفهمها، وتوقع الثواب والعقاب بحسب سلوكه، وعدم استيعاب ان كل ما للأب هو له. ولعل أكبر نتيجة لتلك النظرة هي التركيز الشديد والأمين على الخطية ومحاولة تجنبها بكل الطرق، لأن الخطية تغضب السيد، وأنا أحب السيد ولا أريد أن أغضبه، هنا الخوف من غضب السيد والخوف من نتائج ذلك الغضب يسيطر علي تفكير الطفل المولود من الله أكثر من تفكيره في المحبة التي تطرح الخوف للخارج[2].

لذا تكلم بولس الرسول لأهل غلاطية ليشرح لهم ذلك الأمر وقال:

وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ الْوَارِثُ قَاصِراً لاَ يَفْرِقُ شَيْئاً عَنِ الْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ الْجَمِيعِ.(غلاطية 4: 1)

لقد أوضح الرسول أن قصور الطفولة يجعل الشخص كالعبد، مع كونه صاحب كل شيء، وبسبب ذلك يفكر ويسلك كالعبد مع كونه صاحب الجميع، وذلك يجعله مستعبد تحت أفكار العالم ويسلك بجسدانية. تمامًا كما كان إسرائيل غير مستوعب لعمل الله فيه، حتي جاء ملء الزمان، واستعلان مختلف لعمل المسيح، والذي يجعل الإنسان يكتشف البنوة التي له في الله بالمسيح.

ذلك يحدث مع الوقت، بالنمو تدريجيًا، كلما ارتسمت صورة الأب في الابن بسبب العلاقة والتبعية، يتلاشى ذلك الشعور بالعبودية تدريجيًا ويحل محله عمق التلامس مع كونه ابنًا، وبالتبعية تتغير رؤيته لأمور كثيرة، وتنفتح أعماق البنوة بغنى ما فيها له حين ينضج، وهي ما سنتناوله لاحقًا بالتفصيل.

 

Romany Joseph
23 rd August 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1] لو 4: 23-

[2]  لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ. (1يو 4 : 18)29

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 51 | سمات الطفولة | النظرة لله كسيد أعلى وأنا كعبد أدنى

  1. hosam says:

    very inspired and encouraging

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s