الإيمان والميلاد الثاني | الجزء الثاني | سر الإيمان ودوري ودور الله

featured-examine-your-faith1-622x400 

جدالات كثيرة عن ماهية الإيمان، هل هو دوري أم دور الله، كيف يحدث، في البداية يجب أن نعرف أن الميلاد الثاني نفسه هو عمل الله التام، فهو الذي يقيم المائت من القبر وينفخ فيه نسمة حياة، فالميلاد الثاني هو سر وأمر ليس للإنسان دور فيه، هو نعمة وعطية من الله، لككننا نتكلم عن سره، لماذا يناله البعض، والبعض الاخر يقضون حياتهم متغربين عن الله وموتي عن الحياة الحقة.

يقول البعض أن الإيمان بالكامل عطية الله، معتمدين على النص الذي يقول: لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من اعمال كيلا يفتخر أحد (أف 2: 8 -9). حيث يرون أن كلمة “ذلك” تعود على كلا من النعمة والإيمان، ربما شرح القديس بولس يعود على كلمة النعمة فقط، لكن لنتجنب الجدل والاعتماد على اية واحدة في فهم حقيقة تعاش، ولنحاول الاقتراب من الإيمان في الفكر المسيحي.

لنفترض أن الإيمان بالكامل عطية من الله وليس للإنسان دور فيه، لذا، سوف يتحتم علي الله أن يعطيه للكل بسبب كونه إله عادل، لكن واقع وجود مؤمنين واخرون غير مؤمنين يجعلنا نقف وقفة، لماذا يسمع اثنان كلمة الله الحية وبشارة الإنجيل والحياة، ونجد واحد يقبلها والآخر يرفضها؟ من المستحيل أن يعطي الله قبول الحق والنعمة لواحد ويمنع ذلك عن الآخر، بهذا يكون الله ظالم.. وحاشا له من الظلم، فمن الواضح أن هناك سبب أو دور للإنسان ولو حتى صغير، بناء على ذلك، نحن لا نستطيع أن نقول إن الإيمان بالتمام عطية من الله، ذلك هو الخطأ الشهير الذي وقع في المصلح جون كالفن، حين الغي دور الإنسان تمامًا في الخلاص وجعل كل ما يخص الميلاد الثاني ونوال الحياة الجديدة والإيمان من اختيار الله يعطيه كما يشاء ولمن يشاء، ويمنعه عمن يشاء وأقر ذلك الفكر مجمع دورتريخت (1619م)[1].

لذا نحتاج أن نقترب أكثر من الإيمان لكي نعرف سره، فمشكلة من تعمقوا في النصوص وتاهوا فيها أنهم لم يتعمقوا في ذواتهم وعلاقتهم بالله ليطابقوا نصوص الكلمة الحية مع تعاملات الله معهم.

إن الإيمان الذي شرحة الكتاب المقدس به شقين، إيمان الموت وإيمان القيامة، أي إيمان بشر وفساد طبيعتي وأعمالي والموت الذي لي.. وإيمان ببر وصلاح يسوع المسيح، والحياة التي لي عنده.

لو دققنا سنجد أن الإيمان بالموت يسبق الإيمان بالقيامة، فإبراهيم أمن أولا بمماتيته ومماتية مستودع سارة، وذلك التصديق لعقمه هو الدافع الذي جعله يقف أمام الله لكي يطرح مشكلة حياته أمامه، ومنها أعلن له الله عن الحياة التي له عنده، وصدق إبراهيم كلمات الحياة وذكر الكتاب المقدسة لأول مرة كلمة “إيمان”، ونجد أن ذلك ينطبق على الصرخة التي شرحها بولس وقادت للحياة الجديدة فهي لم تخرج من شفتيه إلا حين أعلن عجزه التام عن تغيير حاله وفشله في صراعه مع ذاته، ويتماشى ذاك مع كل من تبعوا المسيح، كلهم كانوا خطاه معترفين بخطيتهم أي موتهم، والله صنع معجزة الحياة لهم وأقامهم من موتهم.

وعلى النقيض، نجد أن المشترك في كل من رفضوا المسيح أنهم كانوا يبررون أنفسهم ويثقون في طرقهم ولا يعترفون بموتهم وينكرون خطاياهم، مثل الفريسيين وكل من كانوا يرون أنفسهم أبرار، وذلك يتماشى بالتمام مع كلمات الرب يسوع: لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى. لم ات لادعوا ابرارًا بل خطاه الى التوبة[2].

سر الإيمان

أن كلمة قبول المسيح أو قبول النعمة والتي هي لفظ كتابي استخدم كثيرا يفرق بين المؤمنين والغير مؤمنين، وتلك الكلمة مهمة جدا ونحن نقترب سر الإيمان، لكننا سنحاول الخوض في تلك الكلمة أكثر ونحاول الاقتراب منها ومن سر الإيمان بصورة عملية، خصوصا وأننا كثيرا ما نقول اننا نقبل المسيح ونعترف به مخلصا لكنها لا تتعدي الكلمات، فلماذا يقبل البعض ويرفض البعض الآخر، ولماذا قبول المسيح عند البعض لا يتعدي الكلمات، بينما عند آخرين هو تغيير شامل للحياة؟

لقد رأينا سويًا أن سر الإيمان هو الاعتراف بموتي، ومن هنا ينال الإنسان نعمة الحياة والقبول أمام الله، هذا هو جوهر الإيمان، ولنحاول أن ندخل لعمق أكثر، إن كان كلنا موتي بالذنوب والخطايا، وكان الجميع زاغ وفسد، ما الذي يجعل شخص يعترف بموته وكنتيجة ينال الحياة، وآخر ينكره أو يقوم بتجميل واقعه وكنتيجة يحرم نفسه من القيامة والحياة؟ إن كنا كلنا مرضي، ما الذي يجعل شخص يعترف بمرضه وكنتيجة يشفيه الطبيب؟ وآخر يدعي الصحة ولا يتقابل مع الطبيب؟

والإجابة ببساطة وكلمة واحدة هي “الصراحة مع النفس”، تلك الكلمة السحرية البسيطة هي سر وجذر الإيمان، وسبب قبول البعض للمسيح وسبب رفض آخرين، أن السر في الصراحة مع النفس، فهناك من هو صريح لا يخدع نفسه، ولا يجمل حقيقته، ولا يضع يديه على عيناه لكيلا يري واقعه، لا يلف ولا يدور، بل ببساطة وأمانة حين يقيم نفسه وحياته يعترف بحاله، وحين يحاول التغيير بقدرته يعترف بفشله.

وعلى النقيض، هناك من ينكر ضلال حالة وخطيته، أو يجمل من نفسه، ويقلل من اخطائه، ويحاول التخفيف من مشكلته والتقليل من شأنها، ويظل يهرب ويخدع نفسه في كل موقف ينكشف فيه عريه وفساده أمام عينيه، ومهما حدث من مواقف وظروف تقرع علي الإنسان بالحقيقة، نجد عنده ردود جاهزة أمام نفسه وأمام غيره لكي يكمل في طريقه الخاطئ، هذا هو التجديف على الروح القدس الذي قال المسيح أنه لا يمكن أن يغفر[3]، إنه مقاومة الإنسان للحقيقة التي تقرع عليه بل وتزييفه لها، لقد قال المسيح تلك الكلمات حين رأوه يخرج الشياطين وبدلاً من أن يبكتهم ذلك العمل النقي على حالهم ويجعلهم يتبعوا ذلك الرجل، نجدهم قاوموا تبكيت روح الله وحاولوا تشويه الحق وجعل يسوع يقوم بعمل شيطاني؟ لماذا يفكرون هكذا؟ السبب بسيط وعميق في نفس الوقت، ذلك الشاب نوره يكشف ظلمتهم؟ بره يظهر شرورهم؟ النعمة التي عليه تظهر افتقارهم للنعمة، وهم يحبون الظلمة ويرفضون النور الذي يقرع عليهم، فلا مجال إلا تشويه النور لكي نبقي كما نحن، وتشويه النعمة وجعلها عمل شيطاني، لقد خدعوا أنفسهم وقاموا بلوي الحقائق ولم يكونوا صرحاء مع نفوسهم.

الصراحة مع النفس هي التي جعلت العشار مقبول ومبرر امام الله رغم حاله، وخداع النفس وتزييف حالها هو الذي جعل الفريسي رجل الدين المدقق غير مبرر رغم أنه بمقاييسنا أقل خطية من العشار، الصراحة مع النفس هي التي جعلت بطرس يهتف أنه رجل خاطئ حين صنع المسيح معجزة صيد السمك معه[4] مع أن المعجزة لا تبكت بطريقة مباشرة، وخداع النفس هو الذي جعل الفريسيين يقولون في معجزات أكثر قوة أن المسيح يخرج الشياطين بالشياطين وأنه خاطئ لأنه فتح عين مولود أعمي يوم السبت مع أن المعجزة تبكتهم كرجال دين بصورة مباشرة، الصراحة مع النفس هي التي جعلت داود ببساطة يعترف بزناه بعد أن كان مغيب، وغياب الصراحة مع النفس هي التي جعلت شاول الملك يكمل في طريق غير صالح للنهاية وكل التحديات والضيقات لم تجعله يقف ولو مرة واحدة ليقيم نفسه، لاحظ المشترك في طوال شخصيات الكتاب المقدس مع من هلكوا ولم يؤمنوا، ستجدهم مزيفين ورافضين للاعتراف بحالهم، والمشترك في كل رجال الله الحقيقين هو الصدق والصراحة مع النفس التي فتحت الباب للنعمة.

الصراحة مع النفس أو خداعها هو موقف إرادي حر، وليست عمل إلهي، العمل الإلهي يقرع على الإنسان بالنعمة وقراعات الروح لكي يقوده للصراحة مع النفس والاعتراف بموته، العمل الإلهي يستخدم المواقف والظروف والاحتكاكات الحياتية لكي يكشف للإنسان عن حقيقية موته، وحين يتجاوب الإنسان مع قراعات الله ويختار الاعتراف بحقيقة حاله، وقتها يشرق الرب عليه بنور القيامة وينتشله من الحفرة الممسك فيها، فالحرية التي منحها الله للبشر تجعل الله لا يستطيع أن يجبر شخص أن يكون صريح مع نفسه بينما الشخص يختار الخداع والزيف، نعم.. لا يستطيع الله، عدم استطاعته هنا ليست عن عجز، لكن عن كمال واحترام لحرية الإنسان.

هذا هو ببساطة هو الفارق بين إنسان وإنسان، هو جذر وسر الإيمان ودور الإنسان، كم هو قمة في البساطة وفي قمة العمق في آن واحد، أن نري الميلاد الثاني الإعجازي سره الإيمان، والإيمان سره الصراحة مع النفس، ومن هنا ينطلق الإنسان للأعلانات الإلهية الفائقة والدخول للملكوت بعمل المسيح الفائق فيه.

Romany Joseph
15 th Septemper 2014

 


[1] خرج المجمع بخمس نقاط سميت بالنقاط الكلفينية الخمسة وصدر هذا القرار “الله يقرر بحرية، وليس مبنياً على علم سابق بإيمان المؤمن، من سوف يُخلص ومن سوف يهلك”.

[2] (مرقص 2: 17)

[3]  (متي 12 : 31)

[4]  (لو 5 : 8)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to الإيمان والميلاد الثاني | الجزء الثاني | سر الإيمان ودوري ودور الله

  1. اتفق معك عن قناعة واختبار..الرب يباركك اكثر واكثر

  2. Pingback: تعاليم المشورة المسيحية – نظرة سريعة علي مشكلتها وتشوهاتها ورؤيا للحل | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s