من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 54 | سمات الطفولة | محدودية رؤية الصليب وحصره في زاوية الغفران

salvation

إن الطفل الروحي المولود حديثًا من الله، في محدوديته، لا يستوعب سر الألم، ولا يفهم حمل الصليب. بل وحين يتكلم المسيح عن الصليب نجد أن بطرس في طفولته يوبخه ويقول له حاشاك من الصليب[1].

وبسبب مرحلة الطفولة، يقرأ الطفل الآيات التي تتكلم على الألم والإماتة والصليب، فلا يرى من الصليب والألم إلا زاوية واحدة؛ ألا وهي المكان الذي عليه صُلب المسيح عنه، وتألم فيه لأجله، وحمل عنه خطاياه ورفع آثامه. الصليب بالنسبة للطفل هو مكان الرجاء والأمل والشفاء والغفران.

هكذا يرى الطفل الصليب، وهكذا يرتمي عند أقدام المصلوب طالبًا الغفران حين يخطئ، فقد أدرك بشاعة الخطية وأدرك عمل المسيح لأجله.

لكن يستحيل على الطفل أن يرى الصليب مكانًا لتحمل المشقات أو شركة ألام المسيح؛ إذ لا يستوعب ذلك بسبب صغر قامته. وهذا منطقي ومقبول من الله. فلا يمكن أن تطلب ممن لم يتكمل نموه ولم يدرك الأمور بعد، أن يحمل الصليب.. كذلك لا يمكن أن يطالبه الله بذلك.

الله إله حكيم، وأب محب، لا يحمِّلك أحمالاً عثرة، ولا يعطيك حملاً دون أن يؤهلك له. وفي رحلة حياتنا معه يتم تهيئة قامتنا الروحية لكي تتحمل المشقات والآلام التي حتمًا ستأتي علينا كما أتت على يسوع، بسبب سمو الرسالة من جهة، وبسبب الشر الموجود في العالم من جهة أخرى. الله يحتمل طفولتنا ويحملنا في تلك المرحلة بكل نقائصنا ومحدوديتنا.

إلا أن الكنيسة أحيانًا كثيرة ما تعاني من تطرفين؛ الأول هو وضع أحمال عثرة على أكتاف أطفال روحيين، مما يؤدي لحدوث إتلاف في حياتهم الروحية، إذ يطالبون الأطفال الروحيين بخدمات صعبة، أو ممارسات كثيرة، أو يضعون أمامهم مقاييس ناضجة للحياة لم يصلوا لها بعد، مما يؤدي لليأس والإحباط وترك الحياة مع الله، أو ما هو أسوء، التزييف وارتداء أقنعة لكي أظهر في مستوى أنضج بينما أنا لم أصل له بعد.

كثيرًا ما يكون السر وراء وضع أحمال عثرة على الأطفال هو الخوف من التسيب، والسر الأعمق هو غياب التعليم الصحيح والاختبار الشخصي المنضبط، الأمرين اللذين من خلالهما نستطيع أن نفهم فكر الله ونتلامس مع قلبه، وكيف أن الله يرى قلوبنا ويتلامس معها بحسب مرحلتها، فيكون صارمًا مع المستبيحين والمتصالحين مع خطاياهم لأجل إفاقتهم، ومع الضعفاء مترفقًا وحنونًا لأجل أن يسندهم، لكي يقبل الجميع للحياة الجديدة ويتركون الحياة القديمة.

والتطرف الثاني هو حصر مفهوم الصليب في الغفران والفداء بينما حين ننضج يكون الموضوع أكثر اتساعًا. إذ يمتد الصليب ليحمل أبعادًا أخرى أكثر عمقًا؛ فهو شركة في مسيرة المسيح، وشركة في آلامه، وثمره حياة. لكن حين نحصر الصليب في فكرة الغفران والفداء لمن جاء وقت نضوجهم، نجعلهم بهذا يخسرون شركة أعمق مع المسيح، وطريقًا للنمو قد يكون صعبًا لكنه مشبع ومفرح لقلب الله وقلب الإنسان.

لذا، الله المحب والفاهم، مع المولودين من فوق، يميز كل مرحلة.. مع الأطفال هو أب يحمل على الأكتاف لأجل نموهم، ومع الناضجين شريك في المسيرة الصعبة والجهاد الحي والرسالة العليا، يحمل الصليب معهم وهم معه.

هذا هو قلب الله الأبوي الذي فيه تنهار كل القواعد النظرية المائتة، ويتحد الحق مع المحبة لنرى شخصًا فاهمًا يعي مراحل حياتنا ويتعامل من منطلقها.

Romany Joseph
th October 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


[1]  ا (مت 16 : 22)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 54 | سمات الطفولة | محدودية رؤية الصليب وحصره في زاوية الغفران

  1. Pingback: تعاليم المشورة المسيحية – نظرة سريعة علي مشكلتها وقصورها ورؤية للحل | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s