من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 58 | سمات الطفولة | ندرة وجود شفاء من جراح الماضي

Capture111 

جراح كثيرة تصيب الإنسان في حياته.. جراح عدم المحبة، خيانة، إهانة وإهمال، قلة تقدير وعدم احترام.. ما أكثر الجراح التي تصيبنا، ويزيد الأمر أن الجراح في السن الصغير، والجراح قبل معرفة المسيح، يكون لها تأثير شديد على النفس، وأثر بالغ في تحركات الإنسان. ولكن بسبب غياب الاستنارة، يكون الشخص غير مدرك لمشاكله وجراحه. وإن أدرك، يكون عاجزًا تمامًا على التعامل معها، فتبقى تلك الجراح تحرك فيه وتشكل توجهاته، ويكون مفتقد للصحة النفسية.

وحين يعرف الإنسان المسيح، يستنير القلب والكيان بنور المخلص ومحبته، الأمر الذي يخلق بالطبع في نفس الإنسان حالة من الراحة والهدوء النسبي، لكن هل يعني هذا أن الجراح العميقة تُشفي بسهولة أو بسرعة؟ نقول بصراحة: لا، فمعرفة المسيح وإن كانت بداية وضع أقدام الإنسان على طريق الحياة والحرية والشفاء، إلا أن هذا لا يحدث في أولى خطواتنا في الطريق، فالأمر يتطلب وقتًا في المسيرة والنضج والنمو لكي يحدث.

لكن نحتاج أن نسأل: لماذا يتطلب الشفاء من الجراح وقت؟ لم لا يزيل الله آلامنا وجراحنا القديمة مباشرة وبسرعة كما نشتهي؟ لعلنا قد تحدثنا عن هذا تفصيلاً وبشكل عام في أهمية بطء النمو في حياة أولاد الله[1]، لكن نحتاج هنا أن نضيف أمرًا آخر يخص الشفاء من الجراح..

إن شفاء الجراح يتطلب استعلانًا قويًا للصليب والقيامة وأبعادًا أخرى أعمق من الغفران ومحو صك الخطايا. فالشفاء يتطلب أن تكون عين الإنسان مفتوحة على بعد أكثر عمقًا لعمل المسيح والصليب والقيامة. فالصليب هو المكان الذي تتحول فيه اللعنة لبركة، والموت لحياة.. إنه عمل الله الخلاصي للإنسان والذي فيه جاز يسوع لأجلنا متألمًا ومضروبًا، وخرج صحيحًا قائمًا من الموت. فعل هذا حتى إذا ما جُزنا نحن في الصليب، يحدث لنا ما حدث له.. قد نمضي للصليب بسبب أخطائنا، أو ربما أخطاء غيرنا، أو كليهما، أو ربما نتيجة ظروف تبدو لنا خارجة عن إرادتنا، لا يهم السبب.. فليست الأسباب هي القضية هنا، لكن القضية أننا ندخل مجروحين ومضروبين، ونكون مقيدين عاجزين، مصلوبين ومربوطين، بل متألمين مائتين.. لكن بقوة عمل المسيح، نعبر الصليب وتخرج حياة وحرية وشفاء، ويقودنا الله من الموت للحياة.

وكما ذكرنا من قبل[2]، إن قامة الطفل المحدودة رغمًا عنه تجعل إعلان الصليب منحصرًا في غفران الخطايا. ففي الطفولة الروحية لا يعي الإنسان من الصليب إلا زاوية الغفران فقط. وكما شرحنا، هذا مقبول ومفهوم، لكنه يؤجل عمل الله لكي يشفي جراح الماضي التي تسبب تشوهًا في حياة المؤمنين. فيؤجل الله عمله حتى يتم النمو تدريجيًا. فمحدودية الإنسان الجديد الذي لم يزل طفلاً، وموت الإنسان العتيق الذي لم يزل حديثًا، يقفان كعائق أمام طريقة الرب في الشفاء؛ والتي تتطلب أولاً إدراك المرء لجراحه وأمراضه، وإدراك الصليب بأبعاده العميقة التي ذكرناها. هنا نحتاج أن نعي أمرًا هامًا جدًا: إن الطفل الروحي في الغالب لا يدرك جراحه وأمراضه، تمامًا مثلما لا يدرك أعماق الصليب وشفائه.

وحين ينمو الإنسان وتنفتح عينه على جراحه وأمراض نفسه، وتنفتح في نفس الوقت رؤى إعلان الصليب بأبعاده العميقة. فيستعلن للإنسان أن ما جاز به من جراح وآلام بدت وقتها تؤدي للموت، لكن باستطاعة الصليب والقيامة معًا كتدبير للفداء، أن يخرج من هذه الجراح حياة وحرية.. فيسير المرء مع المسيح ويرى معجزة الصليب والقيامة، ويرى يد الرب وهي تعمل في نفسه وفي جراحه لتُخرج من الموت حياة.

تعاليم المشورة والشفاء

نحتاج هنا أن نتكلم عن أمر خطير جدًا، ألا وهو تعاليم المشورة المنتشرة بقوة في زمننا هذا، والتي تتحدث عن الشفاء من الجراح والتشوهات التي أحدثتها تلك الجراح، وتهدف إلى مساعدة الإنسان ليحيا حياة سليمة وسوية. نحتاج أن نتناول القصور الذي فيها ونحن نتناول مسيرة الإنسان مع الله.

لتعاليم المشورة أربع مدارس عامة[3]. في الغالب، تندرج أغلب التعاليم المشورية تحت واحدة منهم أو ربما تدمج مدرستين.

تعاليم المشورة –المشكلة الأولى– تقديم التعليم للمؤمنين والغير مؤمنين

أغلب تعاليم المشورة يتم تقديمها للمؤمنين والغير مؤمنين على حد سواء وبدون فحص، وهذه هي أول مشكلة خطيرة في قصور تعاليم المشورة. إذ لا يوجد أي كتاب أو تعليم مشوري يؤكد على قضية الإيمان بالمسيح ومحوريته في الشفاء. ويوجد احتمالان كبيران لتلك المشكلة:

الاحتمال الأول: أن تعاليم المشورة ترى الشفاء والحياة السليمة أمرًا غير مرتبط بالإيمان، أو أن الإيمان أمر فرعي في تلك القضية.. وفي هذه الحالة لا يمكن أن نطلق على التعليم المشوري أنه مسيحي. فالمسيحية قائمة على حلول المسيح وولادة الإنسان الجديد الذي يحمل الحياة السليمة، وموت الإنسان العتيق الذي يحمل المشاكل والجروح العميقة.. فكيف يمكن إذًا لتعليم مشوري يدعي المشورة المسيحية أن يتجاهل محور المسيحية؟

الاحتمال الثاني: أن تعاليم المشورة تتعامل مع الإيمان وكأنه أمر مسلَّم به وتفترض أنه موجود في متلقي تعاليم المشورة. إن كان الأمر هكذا، فهذا يدل على وجود قصور شديد في فهم ماهية الإيمان وتمييز الإيمان الحقيقي من المزيف، الأمر الذي أصبح آفة أجيال ليس عندها أسس واضحة لتقييم الميلاد الثاني والعلاقة مع الله من عدمها، فيتوهم مَن لم يولدوا من الله أنهم مولودين، ويشك من نالوا الميلاد الثاني أنهم مؤمنين، وهو ما أفردنا له فصلاً كاملاً في فحص الإيمان.

وفي كل الأحوال، إن تقديم تعاليم المشورة للمؤمنين والغير مؤمنين ينتهي بحقيقة أنك تقدم تفاصيل الحياة السليمة والصورة التي يجب أن نكون عليها ولكن لشخص ميت، ولا يرى مشكلة في كونه ميت، أو يراها مشكلة فرعية، أو لا يفهم ماهية الإيمان.. فتكون النتيجة أن عندنا أموات تنتفخ بمعرفة نظرية عقلية وتتوهم الحياة وهي لم تنلها بعد.

تعاليم المشورة –المشكلة الثانية– عدم تمييز مراحل النمو

غاب عن تعاليم المشورة تمييز المراحل الروحية ومراحل النمو، فليس هناك تمييز بين طفل وناضج في مجتمعات يغلب فيها انتشار الطفولة عن النضج، بل يغلب عليها غياب الإيمان الحقيقي أصلاً.. فصارت كمَن يقدم وجبة دسمة لطفل يحتاج للبن لا طعام قوي[4]. ونتيجة لهذا تحدث له مشاكل كثيرة لم تكن في الحسبان، فيرتبك مَن يطعمونه، لكن أغلبهم للأسف لا يتوقف ليتسائل ماذا يحدث. كذلك لا يوجد مرجع واحد للمشورة يتكلم عن وجود درجة معينة من النضج لكي ينال الإنسان الشفاء، أو يلفت النظر لهذا الأمر، وقد تكلمنا في هذا الموضوع حين ذكرنا أحد مشاكل النمو وهو (طعام البالغين للأطفال).

لقد فتحت تعاليم المشورة أمامهم أمرًا أكبر من قامتهم الروحية، ولم يهتم أغلب معلمي المشورة هل قد آن الوقت لكي يدركوا الجراح أم لا، والكارثة الأكبر أنهم لم ينتظروا ليشاهدوا ثمار التعليم الغير منضبط، وكيف أن الأغلبية لم ينالوا الشفاء بعد تعاليم المشورة رغم تركيزهم الشديد ومحاولتهم تنفيذ التعاليم والسلوك بها.

إن تعاليم المشورة بالنسبة للطفل كمن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. ليست المشكلة هنا كونها خطأ أم صواب، لكن المشكلة تكمن في التوقيت؛ فمعرفة الخير والشر تحتاج نعمة تتوافق مع ما تنفتح عليه العين. لذاك أوصى الله آدم ألا يأكل منها وهو غير مؤهل، فمعرفة الخير والشر بلا نعمة وتأهيل تجعل الإنسان عريانًا أمام حقائق لا يحمل نعمة لكي يتعامل معها.

اسأل أغلب مَن حضروا تعاليم المشورة، ستجدهم كانوا أطفالاً فرحين منطلقين في بداية حياتهم مع المسيح (أو ربما غير مؤمنين حقيقيين وتلك كارثة أكبر)، وحين حضروا كورسات المشورة، جاءت التعاليم لتفتح أعينهم على جراحهم وآلامهم وتشوهاتهم بينما هم غير مؤهلين لهذا. فتجد النتيجة أنهم يمرون بضيق وألم شديد، ويعبرون بتيهان وإحباط بعد حضورهم لكورسات كان هدفها شفاءهم، بل وبعضهم يمرون بحالات اكتئاب نفسية شديدة القوة بسبب ما انفتحت أعينهم عليه.

تعاليم المشورة –المشكلة الثالثة– كثرة الكلام عن المشكلة وقلة الكلام عن الحل

إن شرح المشكلة باستفاضة لهو أمر هام جدًا في نوال العلاج، فلا يمكن الوصول لقناعة أن ما يُقدم لك هو علاج مشكلة معينة، ما لم يكن هناك أولاً شرح مستفيض للمشكلة وأبعادها وكيف أن الدواء يحمل علاج المشكلة. لكن الكارثة الكبرى أن يشرح أحد المشكلة باستفاضة ثم يقدم علاجًا ضبابيًا غير واضح، ويتكلم عنه بطريقة مختصرة مبهمة.. فيعجز عن تحقيق الشفاء، ويتركك بلا إجابات بعد أن فتح أمامك أبعادًا لم تكن تعرفها عن المرض. فيكون كمن يفتح ورمًا خبيثًا في أعماق الجسم ويجعلك تشاهده فزعًا ويشرح لك نتائجه المدمرة عليك.. ثم يتركك تقريبًا بلا إجابة عن كيفية التعامل معه وإزالته.

فتعاليم المشورة في قصورها تعرض المشكلة باستفاضة وتفصيل ودقة وهذا رائع، ولكنها تقدم الحل باختصار وضبابية وسطحية. كم من الكتب والعظات التي قرأتها وسمعتها في المشورة المسيحية ووجدتها تتكلم أغلب الوقت عن المشاكل أكثر بكثير جدًا مما تتكلم عن الحل[5]، مما يعطي إجابة واضحة أن معلمي المشورة وكتَّابها ووعَّاظها أغلبهم أدركوا المشكلة، لكنهم تائهين في البحث عن حل. كان من الأولى أن ينتظروا ليختبروا الشفاء والنضج النفسي، أو على الأقل حتى يعرفوا الدواء ويتناولوه ويروا بوادر ثماره وشفائه، قبل أن يخبرونا عن أمراض مخيفة وعلاج غير واضح.

وكنتيجة لهذا، يغرق مَن يتلقون المشورة في أبعاد المشكلة أكثر مما يرون الحل، بسبب غياب الوضوح في الحل المطروح. وحين يشتكي متلقي المشورة من هذا، يتم توصيل رسالة له أن المشكلة فيه وليست في التعليم المقدم، مما يجعل حالة متلقي تعليم المشورة تزداد سوءًا.

تعاليم المشورة –المشكلة الرابعة – تقديم علاج غير مناسب

في تعاليم المشورة وشفاء النفس المنتشرة، تكون حلول المدارس الأربع بحسب توجهاتهم؛ بين نفسية، وتتدرج لنفسية روحية تقدم علاجًا غير مناسب، ثم روحية بحتة. وسنناقش هنا الحل المقدم في كل مدرسة.

مدرسة علم النفس والمشورة النفسية:

الحل بالنسبة لمدارس المشورة النفسية يتلخص في إخبار طالب المشورة بالتالي: “بعد أن فهمت المشكلة، تحتاج أن ترفض الأفكار الخاطئة، وتصارع لكي تكذِّب التشوهات التي حدثت لك”. وهو حل بالطبع فاشل وسيؤدي لمزيد من التدهور والإحباط، فلا يمكن أن نخبر مريضًا “صارع مرضك واقهره بالتصميم”؛ فالمرض يحتاج علاجًا قويًا وواضحًا، يتعامل بدقة وحسم مع جذر المرض.

إن علم النفس والمشورة النفسية تجذب السامعين جدًا لأنها تصف المرض بدرجة عالية من الدقة. مما يعطي ثقة للمتلقي أن مَن يصف المشكلة بدقة، فمن المؤكد أنه يملك الحل، خصوصًا لو أدَّعى أصحاب تلك المدرسة هذا. وتبني مدراس علم النفس حلولها على افتراضات ليست سليمة في الغالب، ومع الوقت تخرج مدراس جديدة بعد الفشل لتناقض المدراس الأولى. ونحن نعلم أن العلم لا يتناقض، بل يتكامل وينمو، مما يجعل مصطلح “علم” لا ينطبع على ما أنشأه “سيجموند فرويد“، بل هي تأملات وأفكار لا تصلح ولا ترتقي لمستوى العلم.

مدرسة المشورة الكتابية:

وتقدم مدارس المشورة الكتابية حلها الذي يتمثل في الكتاب المقدس ومبادئه. وتبدأ من نقطة رائعة، فتشرح فساد الإنسان والاحتياج الشديد لله، وعمل المسيح لأجل الإنسان، وهو ما يعتبر أساس الإيمان الحقيقي.. وإلى هنا والكلام حسن..

لكن البداية مع الله لا تعني الشفاء، وما تم تقديمه نحو أساس الإيمان في المشورة الكتابية هو أمر يقدمه كل مسيحي حقيقي وكنيسة حية، فما الذي تقدمة المشورة الكتابية بعد ذلك لكي تشفي جراح المريض وتساعدهم على الحياة السليمة؟

لذا، تحاول تعاليم المشورة الكتابية بعد هذا وضع مبادئ كتابية مدعومة بآيات لتفسير المشكلات النفسية والأزمات التي يمر بها الإنسان، وتخرج في الغالب أن الحل يكون بإحدى طريقتين:

الأولى: التوبة عن خطية موجودة داخلي ورغبات شريرة امتلكها وطبيعة ساقطة ساكنة فيا [6]، أو..

الثانية: قبول الألم كأمر واقع جاز فيه المسيح لأجلنا، وعدم محاولة فهم أمور كثير بسبب محدودية الإنسان[7].

هنا نجد أن المشورة الكتابية تختزل قصة الله والإنسان لتصبح مجرد مجموعة من المبادئ الكتابية والآيات التي ينبغي تبعيتها وتنفيذها، وتبدأ تملي علىك ضرورة أن تتوب لأنك خاطئ، وأن الخطية هي مَن فعلت بك هذه المشاكل، وتحتاج أن تلتزم في العلاقة مع الله وتحيا وصاياه لكي تنال الحياة السليمة والشفاء.

لو تأملت المكتوب أعلاه، ستجد أنه ليس بجديد، فعلم المشورة الكتابية لا يفعل شيئًا غير إعادة صياغة كلمات الكتاب المقدس من زاوية المشورة، ولا يضيف أي جديد. نعم، نحن خطاة، ونعلم أن بالتوبة والاقتراب من الله سينصلح الحال، لكن هل هذا كافي؟ ألا نحتاج لأعماق أكثر؟

إن أخطر حقائق يتم تقديمها هي أنصاف الحقائق، فما تدور حوله تعاليم المشورة يحمل نصف الحقيقة، لكن الخطأ الشديد الذي يفعله التعليم المشوري الكتابي هو أنه يجعل هذا كل شيء. وغالبًا، بل دومًا، ستنتهي أي مشكلة تمر بها فيما طرحته هذه المدرسة من حلول (التوبة من الخطية، أو قبول الألم لأننا لا نفهمه، أو لأنه شركة في آلام المسيح وسنجد تعزيات).

وهنا يكون علم المشورة الكتابية كمن يضع حلاً عامًا شاملاً لكل البشر. وبغض النظر عما تقوله كمتألم، ستتلخص المشكلة فيما قالوه هم. وكنتيجة لهذا نجد أن المشيرين الكتابيين، رغمًا عنهم، وبسبب تعميم الحل، لا يصغون جيدًا لمشكلة المتألم، حتى لو أرادوا؛ لأنه في كل الأحوال سيقولون نفس الكلام بشكل ما.. أنت خاطئ وتحتاج للتوبة.. أقبل الألم وستفهم فيما بعد، وسيعزيك المسيح في شركة آلامك معه.

المدرسة الثالثة والرابعة: مدرسة الدمج / أو التوازي بين المسيحية وعلم النفس:

بين تطرف نفسي بحت للمدرسة الأولى يتعامل مع الأمور بمعزل تام عن الله ويسبب تيهان واحباط، وتطرف آخر خرج ضده وجعل كل الحل في مبادئ الكتاب المقدس وانتهى به الأمر يسحق الإنسان المتألم وطالب المشورة بالمبادئ الكتابية بدلاً من أن يساعده، ظهرت مدرستان تحاولان التوفيق بين الأمور التي يستنبطها علم النفس، وبين الحقائق الكتابية.. لكي تصلا في النهاية لحل للأزمات والمشاكل التي يواجهها الإنسان في حياته بطريقة مسيحية بها حضور لله ولا تسحق نفسيته وتحترمها.

قد يكون الدافع نقيًا وسليمًا، لكن التطبيق في هاتين المدرستين جاء محبطًا للغاية؛ إذ قامتنا بدمج المدرستين السابقتين (المشورة النفسية والمشورة الكتابية) بمشاكلهما، أو قامتا بعمل توازي لهما بمشاكلهما أيضًا، وكنتيجة لهذا، أصبح لدينا مدرستين تحللان المشكلة بمنتهى الدقة من خلال استخدام علم النفس بلمسة مسيحية[8]، وتحاولان طرح حل كتابي باستخدام آيات الكتاب، ولكن ربما بدون السحق الشديد للمشورة الكتابية.. وأحد أشهر الحلول التي سنتناولها بتفصيل أكثر هو التلامس مع محبة الله وقلبه الأبوي (مدرسة التوازي).

تخيل أن عندنا مريض كبد، وبعد تشخيص ناجح لمرضه، تعطيه أنت دواء لعلاج مشكلة بالكلى. بالطبع دواء الكلى ناجح وفعال، لكنه لن يحل مشكلة مريض الكبد! 

تتحدث مدارس المشورة عن الحل في كونه ينبع من التلامس مع قلب الله الأبوي[9]، ومنه تنطلق لتعليم الغفران وقبول الآخر. وللأسف هذا الكلام ليس علاجًا سليمًا. طبعا أنا لست ضد قلب الله الأبوي وأهميته في علاج أمور كثيرة، لكنه ليس علاجًا للمشاعر الجريحة والإتلاف الذي حدث لحياتي بسبب جراح الماضي أو الحاضر.. إن الكلام عن محبة الله وقلبه هنا يشبه تقديمك دواء كلى لمريض كبد.

والسبب بسيط وعميق في آن واحد: تخيل أنك مجروح جرحًا يسبب لك عاهة، تسبب في هذا الجرح آخرون أو نفسك أو كلاكما، وأنت جالس مكتئب تشعر أن مستقبلك تم تدميره، تلوم نفسك والآخرين وغير قادر على مسامحة كليكما، ترى أنه من المستحيل أن تحيا حياة سليمة بعد ذلك التدمير.. تخيل وسط كل هذا أن الله (كلي القدرة) جالس إلى جانبك –كما تعلمنا تعاليم المشورة وكتبها– ويأخذك في حضنه ويقول لك: “لا يهمك، أنا أحبك محبة شديدة.. محبتي تكفي”!

وبعد هذا تنتظر منه أن يحيا سعيدًا، ويطير فرحًا، ويقبل على الحياة ويغفر بهدوء لنفسه ولمن أساءوا إليه. بالطبع هذا لن يحدث. والأدهى أن تعاليم المشورة حين تقدم محبة الله كعلاج، تشعرك أنك لو لم تستجب، فلا بد أنك تواجه مشكلة في قبول الحب والشفاء. وبالتالي يتملك الأمناء شعور بالذنب أكثر، وإحساس بالفشل، ويبذلون الجهد أكثر في الامتلاء من محبة الله لعلهم يشفون، فيكونون كمن يأخذ جرعات أكبر من دواء الكلى لكي يتحسن وضع الكبد!

هذا للأسف لن يزيل الجرح، ولن يشفي.. بل بالعكس يعثر الناس في الله وتزيد آلامهم وإحباطهم. ومعظم من حضروا كورسات المشورة وتم تقديم قلب الله الأبوي ومحبة الله كعلاج لهم، ما زالوا معثرين في الغفران والشفاء من الجراح والإقبال على الحياة. ولأنهم يظنون أنه دواء سليم يحاولون أخذ جرعات أكبر، الأمر الذي ترجمته: “ربما إدراكي لقلب الله الأبوي أكثر ينتج شفاء!”.. والمشكلة كما قلنا أنه ليس الدواء السليم.

خلاصة مشاكل تعاليم المشورة الحالية

هكذا، تضع تعاليم المشورة أربع عقبات أمام متلقيها.. فهي لا ترشده ليعرف هل هو في دائرة الإيمان أم لا.. وإن كان بها، فلا تكشف له هل هو طفل أم لا.. ولو فرضنا أنه عبر هذين العائقين، سيكون أمام متلقي تعليم المشورة العائق الثالث وهو فتح الجراح بعمق وقوة وعدم القدرة على التعامل معها بقدر متناسب مع ما تم فتحه.. ثم المشكلة الرابعة والأخيرة وهي تقديم علاج غير مناسب.

بل دعني أهمس في أذنك بأمر هام، ليست هذه هي المشكلة الكبرى، بل المشكلة الأكبر أن أغلب معلمي المشورة أنفسهم وكتابها ووعاظها لم ينالوا الشفاء كما ينبغي؛ فمن يتكلم كثيرًا عن المرض ويفهم أعراضه جيدًا ويعطي محاضرات مستفيضة عنه، وحين نسأله عن العلاج، يجيب بضبابية وارتباك وعدم وضوح، هو شخص مريض مثلي.. ربما أدرك مرضه جيدًا، وهذا حسن جدًا، لكن يبقى العلاج وهو الأهم.

الدواء: شخص يسوع وتدبير الصليب والقيامة

الدواء السليم هو شخص يسوع المسيح نفسه وعمله التدريجي الهادئ في نفوس مَن قبلوه(وسنتكلم تفصيلاً عنه في جزء النضوج). وهذا هو موضوعنا؛ فما غاب عن الأربع مدارس هو وضع يسوع المسيح محورًا للحياة المسيحية، والخليقة الجديدة التي هو رأسها والتي تنمو لقامته، بينما العتيقة بكل ما فيها من مشكلات تضمحل وتفنى. غاب عن المدارس الأربع هذا، وحتى حين اقتربوا من الكتاب المقدس، تعاملوا مع الآيات بمعزل عن محورية يسوع المسيح، فخرجت الآيات لتسحق الإنسان أو تكون كدواء غير مناسب له.

الله في تدبيره للشفاء، أعطى لنا يسوع نفسه. وحين ينضج الإنسان ويعي عمل المسيح أكثر، يرى باستعلان عميق أبعادًا مختلفة للصليب والقيامة.. فالله علاجه ليس أن “يطبطب” عليّ وأنا مجروح ويقول: “معلش، أنا باحبك. تعال في حضني!!” قد تكون هذه تعزية رائعة نحتاجها، لكنها لا تشفي ولا تعالج! كذلك ليس تدبيره أن يسحق المعترفين بخطاياهم بقوله: “أنت خاطئ ولازم تتوب”!

الله علاجه هو الصليب والقيامة.. إذ يخبرني أن كل تلك الجراح والاتلاف سيُخرِج منها مجد وقيامة.. الله في جراحي لا يأخذني لقلبه ليشفيني.. بل يأخذني لصليبه ويريني كيف يُخرِج من الموت حياة.

إنه حتى لا يأخذني لصليبه لكي يعطيني درسًا عن الغفران ويحمِّلني بأحمال عثرة. ولا يأمرني أن أغفر كما غفر هو، وكما نعلِّم نحن بسطحية. إنما يأخذني للصليب ويمتد ليكمل القصة ويريني قيامته والقبر الفارغ، ومنه يريني كيف استطاع أن يغفر وسر الغفران، حين كان يرى تدبير الله أن يُخرِج من هذا الصليب أعظم عمل وقيامة.. فكان رغم آلامه من شرور صالبيه إلا إنه لأجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب[10].. ولأجل استيعابه لمشاكلهم وعينه المثبتة على فكر الله الآب وتدبيره، استطاع الغفران والاحتمال إلى أن يعبر الشر والإثم ويرى القيامة.

لا أعتقد أن يوسف كان يستطيع أن يغفر لإخوته لو لم يرى صليب المسيح وكيف أن الله حوّل كل ما حدث له من إتلاف وشرور إلى خير وفرح وسلام. لقد فهم يوسف الصليب، وغفر حين علم أن الله يحول الشر للخير.. ربما غفر حين رأى الخير أمامه. وربما يفعل معنا الرب نفس الأمر ويرينا القيامة بأعيننا فنفرح ونغفر. وربما يعلِّمنا ان نغفر ونحن لم نرى القيامة بعد، مثلما غفر هو على الصليب ودُعي رئيس الإيمان، الذي صدق أن الصليب سيخرج منه قيامة وهو بعد مجروح عاجز مصلوب.

لا يوجد شر أعظم من صليب يسوع، مؤامرات، خيانة، حقد وكراهية، شرور لا أول ولا آخر لها.. الرسالة والخدمة التي عاش لأجلها تبدو وكأنها تضيع وتتلف، هو يموت، تلاميذه أحدهم خان والآخر أنكر والباقي هارب يشك، كل شيء ينهار.. لكن يسوع، رئيس الإيمان، كان يعلم بيقين أن الله سيخرج من كل هذا حياة، وسيقيمه.. وكان يرى أن ذلك الشر والعمل الفاسد ليس خارج نطاق سلطان الآب، بل سيخرج من ذلك الشر والموت بمنتهي الحكمة والقوة، وسيخرج حياة وقيامة بتدبير عجيب وفطنة[11].

هل جرحوك وأتلفوا حياتك؟ جراح عاطفية؟ أهل في بيتك حرجوك، اصدقاء صدموك؟ خدام أعثروك؟ أشخاص في العمل دمروا مستقبلك؟ أم تسببت أنت في حياتك وحياة آخرين نفس الإتلاف؟ أخطاء غيرك؟ أخطاؤك أنت؟ أخطاء مجتمعك؟

الصليب هو الحقيقة التي لا تمتلكها أي فلسفة أو ديانة أو عقيدة في العالم كله، الصليب هو الحل لكل ما نمر فيه، ففيه تتحول كل تلك المأسي والكوارث لقيامة ومجد، ويسوع وحدة يقدر أن يُخرِج من كل ذلك الموت حياة، وبعدها يخرج الغفران سهلا، ويصير الرجاء في قلب نار الصليب حقيقة، والرجاء في القيامة يقين[12].

يعلمنا الكتاب المقدس “بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (إشعياء 53: 5)، (1بطرس 2: 24).. وليس “بمحبته شفيتم”! الصليب يشفي.. هو الدواء والعلاج الذي حين نقبل على تناوله، يبدأ عمل الصليب في الدخول لأعماق نفوسنا المتخبطة المجروحة المتألمة ويهدأها، ويبدأ ينير عين الإنسان ليرى ما وراء الصليب من القيامة.

دواء الصليب يفتح العين لكي ترى ما لا يُرى.. ترى إلهًا قادرًا أن يحول الشرور التي حدثت لي لتكون خير، من العار الملتصق بي لمجدٍ في المسيح، من الفشل الذي يطاردني ليصبح نجاحًا وثمرًا.

لقد اختبر اللص اليمين الصليب لساعات قليلة، وحين قَبِل الصليب وفهم واستنار، حلت عليه القيامة. لم يكسب فقط أبديته، بل صار خادمًا عظيمًا. ففي تلك الساعات القليلة صارت له رسالة عظمى.. فبدون هذا الرجل، كنا لنظن أن التوبة في آخر الحياة بعد شرور كثيرة أمر غير مقبول. لكن بسببه صار للكل رجاء أن يتوب من قلبه، ولو في آخر لحظات حياته.

لقد حوَّل يسوع بصليبه حياة هذا الرجل في ثلاث ساعات. ربما عاش أربعون أو خمسون سنة في قمة الشر والفشل، ربما كانت نتيجة اخطائه أو أخطاء غيره.. لكن حاول أن تفكر فيه الآن، وفكر فيما يشعر به.. إنه لا يتذكر كل ما سبق، اكتسبت حياته رسالة ومعنى امتدت لأجيال حين تقابل مع المصلوب.. تحولت الأربعون أو الخمسون عامًا من العار لتصبح حياة مجدية، بسبب ساعات قليلة تدخل فيها الرب بصليبه، وقَبِل هو.

من عمق مفهوم الصليب والقيامة واستعلانهما، أستطيع أن أرى كيف تعامل المسيح مع الخطية، وأدانها بجميع مفاعيلها وآثارها المدمرة في حياتي وحياة الآخرين. فاكتمال عمل المسيح يتجاوز الصليب ويتجلى في القيامة وما تحمله من حياة عوضًا عن الموت[13].

وهنا يتعدى عمل المسيح العظيم مسامحة الخاطئ وغفران الخطايا، بل يمتد ليصلح كل ما قد خربه الإنسان التائب بظلمته سواء في حياته الشخصية، أو في حياة الآخرين، فتحل البركة مكان لعنة الخطية، ويُمحى الموت الذي جلبه الانسان على نفسه وعلى الآخرين في خطيته وظلمته.

هذا كله يفعله الله بقوه صليبه وقيامته لمَن يموت ويقوم فيه، فالعمل الكفاري يمتد ليُصلح ويطلب ويخلص ما قد هلك. فالغفران في المسيح فعل، وليس كلام. وهذا هو سر الفرح الذي يتوجب أن يكون موجود فينا، إذا قدمنا توبة ونحن ندرك بالحقيقة عمل المسيح وقوة دمه الذي يحول الخطية واللعنة لبركة[14].

لذا.. ما يجب على خدام المشورة والمرشدين أن يفعلوه هو فهم المرحلة العمرية الروحية لمَن يتلقى التعليم؛ وإعطاء اللبن للطفل، والطعام القوي للبالغ، ومساعدة المجروحين على رؤية الصليب والقيامة بطريقة شخصية. فالكلام السابق عن الصليب والقيامة ما زال لا يشفي لو توقف عند مستوى الكلام. إنما فقط يشجعك وبقوة لكي تدخل إلى أعماق الصليب وقوة القيامة. لكن الصراع الحقيقي والتحدي هو رؤية الصليب والقيامة بصورة شخصية، هو أن يأخذ كل شخص من الله إجابة شخصية وإيمان شخصي بأنه سيحوِّل الموت والجراح والآلام إلى حياة وراحة وشفاء.

فيا ليتنا ندرك الصليب ودور الفداء في شفاء نفوسنا والغفران، ونعطي تعليمًا مناسبًا لكل مرحلة عمرية.. فللطفل المولود حديثًا من الله، يعد الصليب مكانًا للغفران والفداء وحسب.. وحين ننمو ونتعمق نحو قلب المسيحية، لا نكتفي بالصليب كرمز، أو لنوال الغفران وحسب، بل يصير مكانًا للشفاء وأخذ قوة من الرب للقيامة وتحويل الخير لشر في المسيح يسوع.

Romany Joseph
15th November 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


 

[1] يمكن مراجعة: أهمية بطء النمو وبطء طرد الخطية من حياة أولاد الله.

[2] يمكن مراجعة سلسة “من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح”

[3] يمكن قراءة المقالة التالية “الاتجاهات الرئيسية الأربع في المشورة” لـ “وليام ت. كِيروان William T. Kirwan” من كتاب: “مفاهيم كتابية للمشورة المسيحية” – للتعرف على مدارس المشورة

http://www.arabic-christian-counseling.com/index.php?option=com_content&view=article&id=714:q-q205&catid=12&Itemid=165&lang=ar

[4]  (عب 5 : 14)

[5] نتكلم هنا عن التوازن في الكلام بين المشكلة والحل، بغض النظر عن صحة الحل أو عدمها، ونذكر على سبيل الأمثلة التالي:

كتاب “شفاء المشاعر الجريحة” لـ “ديفيد سيماندرز”، الكتاب بحسب الترجمة العربية 243 صفحة، وكانت بداية الكلام عن العلاج في الفصل السادس (شفاؤنا من إقلال قيمة الذات) وبالتحديد من صفحة 120 إلى 130، ثم يكمل الكاتب الكلام عن هوس الكمال ويتكلم عن الشفاء منه من صفحة 153 إلى صفحة 156، ثم 168 إلى 171، ثم ثلاث ورقات من 204 إلى 206، ثم من صفحة 227 إلي237، أي الكلام عن الشفاء (بغض النظر عن محتواه الغير سليم والضبابي)، هو 33 صفحة من 243، أي أن الكلام عن الشفاء بغض النظر عن محتواه، لا يتعدى 13.6 % من الكتاب

كتاب “النعمة والذنب” لـ “بول تورينيه” الكتاب بحسب الترجمة العربية 246 صفحة، بدأ الكلام عن العلاج صفحة 191، وبالتحديد من صفحة 193 إلى 202، ثم من صفحة 211 إلى 237 أي بمجموع 36 صفحة من اجمالي الكتاب، بنسبة 18.8% من كل الكتاب.

كل الاحترام للكتّاب وللمجهود الأمين المبذول فيهم، فقد استفدت منهم شخصيًا، نحن فقط هنا نسلط الضوء على قصور موجود في تعاليم المشورة مع احترامنا الشديد للكُتّاب

سلسلة محاضرات ” سلسلة سمات ومعايير النضج النفسي ” لمشير سمير والتي يتكلم فيها باستفاضة عن النظام الأبوي والتشوهات الحادثة بسببه في الشخصية، ويستطرد من خلال إحدى عشر محاضرة تكلم عن الحل في أجزاء من ثلاث محاضرات فقط، أي حوالي  25% من كل المحاضرات.

كتاب “دليل تقديم المشورة للشبيبة” لـ “جوش ماكدويل” و”بوب هوستلر” اصدار العربية لدار نشر “أوفير”، وهو مرجع مشوري يعرض الأزمات التي يمكن أن يواجهها الإنسان في النقاط التالية:

1 – المشكلة / 2 – العواقب / 3 – نظرة الكتاب المقدس / 4 – الاستجابة

ولا يزيد ما يقدم هنا كحل عن حوالي ربع المحتوي (حوالي 25%)،

[6]          كتاب “أدوات بين يدي الفخاري” – بول دايفيد تريب – الفصل الخامس – فهم صراع القلب – ص 88

           كتاب “كيف نقدم مشورة كتابية” – جون ماك آرثر – الفصل الخامس – المشورة والطبيعة الخاطئة للبشر – ص 110

[7]           كتاب “أدوات بين يدي الفخاري” – بول دايفيد تريب – الفصل الثامن – بناء العلاقات بالتعاطف والتحنن– ص 151

            كتاب “كيف نقدم مشورة كتابية” – جون ماك آرثر – الفصل الثاني عشر – تقديم التوجيه من خلال المشورة الكتابية – ص 253

[8]  سلسلة محاضرات ” سلسلة سمات ومعايير النضج النفسي ” لمشير سمير والتي يتكلم فيها باستفاضة عن النظام الأبوي، بعد أن استفاض لساعات طويلة لحل المشكلة، كان الحل الذي يقدمه ضبابي لأقصي درجة، وهو الثقة بنفسك والتمرد على النظام الأبوي وعدم قبوله ورفضه. أذكر أني وقت أن سمعت هذه المحاضرات أصبت باكتأب ليس بقليل بسبب ما أدركته عن نفسي من تشوهات لم أكن أتخيل وجودها، وعدم وجود حل. ولولا نعمة الله التي أنارت علي بنور الحل، كنت أظن أني كنت سأحيا أكتر تشوهًا.

[9]  كتاب اعماق نفسي – الشفاء الإلهي للقلوب الكسيرة – د. بروس – ترجمه د. أوسم وصفي، ذلك الكتاب الذي ينقله بالتمام القس سامح موريس في تعاليم شفاء النفس في مدرسة المسيح

ورغم اتزان الكتاب وما نقله منه القس سامح موريس في مساحة الكلام عن المشكلة والحل المنضبطة، الا أن الحل المقدم بالكتاب مبني على أساس الحب الإلهي، والذي ذكرنا أنه ليس العلاج المناسب، الكتاب يقدم حقائق رائعة وبناءة تستحق التقدير، لكنه لا يذكر البتة الصليب ودوره الأساسي في الشفاء ومحوريته.

[10]  (عب 12: 2)

[11]  ما من ألم أو ضربة تضرب خيمتنا الأرضية، إلا وهي ورائها أحن يد في الوجود، يد الله تلعب دورها بالحب الخالص. فلو لم تكن عينا المسيح مثبته على يد الآب الممدودة بكأس الألم والموت، ما استطاع تجاوز المرارة المحيطة به والعداوة الجاهلة، والأحقاد والتشفي، والظلم الفادح. والذي ينوي أن يحمل صليب المسيح، لا ينبغي أن ينخدع بنظره وراء الأيدي الخشنة الصالبة لمشاعره وأحلامه، أو يتوه عقله في خبث نيات المتربصين الحاقدين، ولكن عليه أن يثبت نظره لليد الحانية المحبة التي وضعت نير الصليب علي الكتف، بكل المواصفات التي تمت بصليب المسيح، كنصيب معين ومحدد بكل دقة.

والصليب يظل محصورًا في فكر الإنسان كحقيقة لاهوتية، الي أن يرتفع المستوي العملي للصليب في حياتنا، حين نقبل حكم الموت في أنفسنا اضطهادًا وظلمًا بيد الطغاة، أو نسلم أنفسنا بإرادة حسنة للموت عن أنفسنا، حينئذ تتجلي حقيقة الصلب في حياتنا.

الأب متي المسكين، مع المسيح في موته وآلامه حتي الصليب – ص 218

[12]  وهكذا انقلب مفهوم الظلم في الآلام من الاستبدادية الهوجاء حسب ناموس الخطية الذي كان متسلطًا على العالم والإنسان إلى معيار جديد، لهبة عظيمة واستحقاق للمجد وفرح القيامة

الأب متي المسكين – مع المسيح في آلامه وموته حتي الصليب – ص 16

[13]  “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ.” (1بط 2: 24)

[14]  الموت هو رعب، وكل الطرق المؤدية إليه مخيفة، إلى أن تشرق القيامة فيتبدد سلطانه وتخضعه للإنسان حتى يطأه بأقدام الإيمان كما وطئت أقدام الشعب قديمًا نهر الأردن وهو في عز كبريائه!

الأب متي المسكين، مع المسيح في موته وآلامه حتي الصليب – ص 54

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s