رسالة من ابن إلي أبيه المحبوب.. إبليس

1002d346f542c2bb6d33b831b5662676

أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. ( يو 8: 44)

أبي الحبيب إبليس:

أنت تعلم حقيقة وهي أن المحبة تنبع من القلب وليس من اللسان، وانا هنا أكلمك من قلبي وليس من اللسان، ففي نفس اللحظة التي أتكلم فيها معك من قلبي وأمجدك، لساني يقول أروع كلام عن الله الآن، لكنك تعلم أن هذا ليس حقيقي، فقلبي هو الذي يكلمك يا أبي المحبوب، هو حامل الحقيقة، وحيث يكون كنزي يكون هناك قلبي، ولأن كنزي معك، فقلبي كله ملكك وأنا لك، وأنت تعرف ذلك.

أبي المحبوب أسمح لي أن اثبت لك أني ابنك المطيع وأني فعلا أريد أن أفعل شهواتك وطلباتك في حياتي، وصدق قلبي مهما قال لساني العكس، فأنت أيضاً يهمك القلب وليس اللسان.

أنا أفهم فكرك يا أبي المحبوب، فأنت ليست قضيتك أن يزني الإنسان، أو يقتل أو يشتم، أو يغضب، أو يصير عبد للمال، ولا أي شيء من هذه الأمور، أنت تعلم يا أبي وأنا تعلمت منك أن كل هذه الأمور سوف تحدث كنتيجة لأمر آخر، وذلك الأمر هو كل اهتمام قلبك وشهوتك، الا وهو الكذب والخداع يا أبي. والذي لو تمكن من إنسان ضمن له استمرار كل بقية الخطايا بقوة، ولو هرب الخداع من إنسان وصار صادقًا مع نفسه، لانهارت كل الخطايا وعرف الحق.

أنا أفهم فكرك يا أبي، فكل خطايا بني البشر يستطيعون معرفة الطريق للتخلص منها لو كانوا صادقين مع أنفسهم وصرحاء، سيتعلمون وقتها الطريق و يعرفون كيف يجدون الإله الذي يساعدهم ليتركوا خطاياهم، لذا كانت قضيتك في كلمة واحدة هي كيف تجعلهم يخدعون أنفسهم، ولا يطلقون على خطاياهم أسم الخطايا، بل يسمونها أسامي اخري بديلة تجعلهم يتصالحون معها.

أبي الحبيب، أنا أفهم أن اهم شيء عندك هو الكذب على النفس، لقد وصفك المسيح أنك كذاب وأبو الكذاب، لذا أهم شيء عندك هو أن يخدع الإنسان نفسه ويكذب عليها ويصدق الكذبة، وانت بارع وتساعد الإنسان على هذا بمهارة فائقة، وقلب الإنسان مكان مؤهل لذلك تمامًا.

اضحك حين اراك أوهمت الناس أن مفهوم الكذب هو الا تقول الحقيقية في موقف صعب، وقصّرت لهم مفهوم الكذب على تلك النظرة السطحية الحمقاء، وجعلتهم يتوهمون أنهم طالما في المواقف الصعبة سيقولون الحقيقة فهم صادقون، واعميتهم أن يرون أن الكذب والخداع فن عميق ومنهج كبير يتفرع لفروع كثيرة. وأهم فروعه هو خداع النفس قبل الأخرين، والكذب كاتجاه لا موقف، وابرع طرقه هو تسمية الأمور بغير أسمائها، حقًا كم أنت بارع. بل في براعتك أوهمت الناس أن الكذب والخداع خطية عادية ضمن الخطايا، بل ربما أصغر من باقي الخطايا، بينما هي أم الخطية.

لقد قرأت قصتك مع حواء وعرفت كيف ساعتها تخدع نفسها وتتوهم أن الثمرة شهية للنظرة، وأنها لن تموت، وأنها ستكون مثل الله، لقد كانت تلك هي الضربة الحقيقة، ليست أن تأكل، بل أن تخدع نفسها في كل ما سبق، وراحت تري الثمرة بصورة كاذبة، فجاء الأكل كنتيجة، وحدث الموت كأجرة، وتحققت رغبتك.

وليس هذا فقط، بل في براعتك يا أبي، جعلتهم يظنون أن هدفك هو الخطايا الصغيرة أو الكبيرة، فيكونوا كمن يحاولون محاربة ثمار شجرة بينما مهما عملوا ستنبت ثمار مرة تانية من جديد، طالما أصل الشجرة موجود، براعتك يا أبي أنك خدعتهم كثيرين وأوهمتهم أن يحاربوا الثمار وفقط، حتى أنهم يسقون الشجرة كل يوم دون أن يدروا، كم أنت حكيم وبارع.

بل لقد وصل الأمر أنك جلعت الناس يرون الله وكأن كل همه هو أن تُبطل الخطايا وتقطع ثمار الشجرة، فراحوا المساكين يحاولوا أن يحاربوا الثمار، ونسوا أصل الشجرة بل اطعموه وهم لا يدرون، لقد امتلأت كل الأديان ودور العبادة بفضلك يا أبي من محاضرات وكتب وجلسات نصح وارشاد واعتراف وتوبة يسردون فيها أشكال وألوان الثمار ويتفننون في وصف طرق محاربتها، بينما الكل يغفل جذر الشجرة، حقًا يا أبي وصلت براعتك أنك وصلت لعقر البيوت المسماة بيوت الله، وخدعت من يدعون أنفسهم أتباع الله ومعلمين الدين، وجعلتهم يخرجون الخداع من قلب الحق المكتوب في الكتب المقدسة ومن صميم الآيات الواضحة علمتهم كيف يقومون بلوي الحق وباحتراف يحوله لخداع وكذب وضلال.

اسمح لي يا أبي أن أحكي لك عما أفعل كابن مطيع لك. وأحكي لك عن قلبي أكثر، أبي.. أنا اتبعك بكل قلبي في الكذب وخداع النفس وتسمية الأمور بغير أسمائها والتي هي أرقي أنواع الكذب الذي تحبه، وأكثرها حنكة ومهارة ونجاح.

أنا اسمي نفاقي وريائي محبة، وأدعو سطحيتي بساطة، وأقول علي العمق أنه تعقيد وفلسفة، أنا اسمي خبثي ومكري حكمة، وأطلق على حبي للسلطة أنه بذل لأجل الآخرين، أنا أسمي كبريائي أنه ثقة في الله وعمله في حياتي، وأقول علي صغر نفسي واحساسي بالدونية أنه تواضع، وأطلق علي سلبيتي أنها مسالمة، ويوم أكون شرس ومنتقم أسميها إيجابية ودفاع عن الحق، أنا أوهم نفسي بالحكمة لأجل بعض المعرفة العقلية بالكتاب المقدس والكتب والثقافة وعلوم مقارنة الأديان، وأطلق على تعصبي الطائفي أنه شهادة للحق، بل ويوم اتهاون في قول الحق اسمي ذلك تسامح ديني وقبول للآخر كما هو، وادعوا خدمتي النمطية أنها لأجل الأخر بينما هي للمنافع والمصالح والمظاهر، أنا انتقد ديانات وطوائف غيري واسمي هذا حق، وحين ينتقد احد ديانتي أو طائفتي أقول عليه هجوم وفتنة وإدانة، أنا أنتقد سلوكيات أتباع الديانات والطوائف الآخرى وأسميه فضح للظلمة، ويوم ينتقد أحد سلوكي أو سلوك من في ديانتي اسميه شخص خالي من الرحمة ولا يستر أخطاء الآخرين.

أنا اسمي ممارساتي النمطية روحانية، أنا اعمل أعمال خير وأسميها محبة بينما هي لأجل البر الذاتي وشكلي، أنا أسمي عشقي للمال أنه فقط تسديد احتياج اضطراري واتحجج بأني أفعل ذلك لبيتي وأولادي، أنا أسمي خطاياي الجنسية أنها ضعف بينما أنا متصالح معها وأعشقها، أنا استغل أخوتي وأسمي ذلك حقي، وأتهاون في دوري نحوهم وأسمي ذلك حدود، أنا ادعي أني أتمني الحياة مع الله بعمق أكبر، لكنه لا ينتشلني مما أنا فيه، وأقول إني منتظر للرب وأنا أفعل ما يحلوا لي، أنا أحيا بلا هدف وأسمي ذلك حياة تسليم، وبالطبع لا افحص نفسي وادعوا ذلك بساطة.

بل قد وصل بي الأمر يا أبي أني قد أعترف بكل ما سبق اعتراف باللسان والكلام، اعتراف مائت لفظي، بلا أدني إحساس بالتبكيت، وبلا أدني شعور بالألم والضيق مما أفعل، مجرد كلمات جوفاء، اقولها بالطبع لا لكي أتغير، بل لكي اشعر أكثر أني صالح وتائب ونقي، وأكمل في تخدير نفسي، فأنا اعلم نظريًا أننا كلنا خطاه ويجب أن أعترف مع القطيع أني خاطيء.

هل رأيت قلبي يا أبي؟ إنه مثلك، أنا مملوء كذب، أسمي كل أمر في حياتي باسم غير حقيقته ولهذا يبقي كل شر في حياتي بل ينمو بخبث، وأتوهم أني صالح ورائع، أو في لمحة من لمحات تواضعي المزيف اري أني “لست سيئا للدرجة واشكر الله”.

لقد فهمت عمقك يا أبي، ليس أن افعل ما يراه البشر كبائر، بل أنا اعلم أنك تجعلني لا أفكر فيهم بصورة مباشرة، لكيلا أفيق وأكمل خداع نفسي، بل تجعلني أقشعر لو ذكرت تلك الخطايا الكبيرة أمامي، وتبتسم أنت في هدوء وثقة، وتزرع خداعي لنفسي، كي تقودني لتلك الخطايا وأعظم تدريجيًا، والمعجزة أنك تجعلني أفعل تلك الأمور تحت مسميات اخري، لهذا يوجد ضمان أني لن افيق، وأني لن اري نفسي شرير، أنا أفعل أمرًا واحدًا أتبعك فيه بكل القلب، أنا فقط ملتوي وكاذب، مخادع لنفسي، ازيف الحق.

أنت تعلم يا أبي أن من يدركون تلك الحقائق يصرخون لله ويغيرهم، أنت تعرف أن من يسمعون تلك الكلمات ويفحصون نفسهم ويدينوا ذواتهم ويكونوا حقيقيين يفيقون ويبدأ الواحد منهم في طلب الله، وهنا تكون نهاية سلطانك يا أبي، فهم يلمسون ان دينونتهم لنفسهم واعترافهم أمر يجعل الله قريب منهم، وينجيهم.

لكن إياك يا أبي أن تشك أنى مثلهم، دعني اذكرك، أنا اكلمك من أعماق قلبي، لساني والجزء الواعي في عقلي وقلبي لا يدرك ما أقول على الإطلاق، أتريد أثبات؟

الجزء الواعي في عقلي حين يقرأ تلك الكلمات أو يسمعها ينفر بشدة، ولا يطيق سماعها، ويهرب من فحص نفسه، بل ويفكر بسرعة في الآخرين الذين يعرفهم ويفعلون هكذا.

أتريد أثبات آخر؟ أنا في صلواتي وطلباتي لله لا اعترف بأي أمر من تلك الأمور، ولا أقر بما في داخلي له، صلواتي كلها كلمات محفوظة روتينية وصلوات مكررة فارغة اقولها وانا منفصل عن أعماقي.

أبي الحبيب.. أتريد أكبر أثبات على قوة كذبي والتوائي وتبعيتي لك وللزيف؟

أتتذكر ماذا فعلت في أي مرة يعاتبني اخوتي فيها عن الأمور الملتوية التي أفعلها؟ لقد دافعت باستماته عن نفسي، وأنكرت ما يقولون، وقاتلت ضدهم لكي أثبت أني لم أخطئ بل هم المخطئون، وأني برئ من كل التهم، وأكملت خداعي لنفسي وتسمية الأمور بغير أسمائها.

أتتذكر ما فعلت بهم في كل مرة كلموني عن حقيقتي التي أهرب منها واقوم بتجميلها؟ كيف غضبت منهم؟ سواء كشفوا حقيقتي بهدوء أو بصرامة، لم يفرق معي، أتتذكر كيف اعطيتهم محاضرة في قبول الآخر والمحبة، ودرس عن النظرة البسيطة والعين النقية، بل قمت باتهامهم أنهم متكبرين وليس من حقهم الحكم علي حياتي، وأنهم يقعون في خطية الإدانة، وقلبت المائدة علي رؤوسهم، وخرجت من المناقشة أنهم يحتاجوا أن يراجعوا حياتهم وتوجهاتهم ويفحصوها، ثم أكلمت حياتي التي لم افحصها مرة واحدة وأنا معك ولك؟

هذا أنا يا أبي الحبيب.. ابنك..

الحمد لك يا أبي الحبيب علي الزيف والالتواء والكذب الذي عملته لي وأنا قبلته.

أشكرك بشدة، وأتمني أن تقدر ان لي دور كبير في قبول ما علمته لي..

فأنا أبنك… وشهواتك أريد أن أفعل..

فهب لي أن أحيا مخدوعًا للنهاية..

Romany Joseph
19th November 2014

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أمور تلخبط and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s