من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 59 | سمات الطفولة | غير مؤهل للزواج بحسب فكر الله

 asd

لقد أعلن الله فكره بمنتهى الوضوح والقوة؛ أن تكون علاقة الرجل بالمرأة في روح الحب، هي صورة لعلاقة الآب، الرأس، بالمسيح في الروح القدس. وكما أنجبت علاقة الثالوث أبناءً كثيرين للمجد (عب 2: 10)، كان فكر الله أن ينجب الإنسان أيضًا أبناءً كثيرين لمجد الله الآب.

وَقَالَ اللهُ: ’نَعْمَلُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الارْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الارْضِ‘. فَخَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ (الثالوث: أب وابن في الروح، فالثالوث علاقة بين طرفين وليس ثلاثة أطراف). ذَكَرًا وَانْثَى خَلَقَهُمْ (طرفان يمثلان الثالوث في روح الحب). وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: ’اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ وَاخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الارْضِ‘. (تك 1: 26- 28)

وحين سقط الإنسان، انسحب الحب وحل محله الشهوة والأنانية، وتنجس كل شيء وفقد كل شيء طهره (تي 1 : 15)، واحتل الجنس المقدمة في تلك الأمور. وبعد السقوط، جاء المسيح ليُصلح كل هذا، وليعيد الإنسان لمكانته الأولى[1].

لكننا نجد بولس الرسول يكتب كلامًا لمؤمني كورنثوس عن الزواج مربكًا جدًا. كلام يبدو وكأنه عكس فكر الله في خلقته الأولى لنا على صورته، ولا يتناسب مع استرداد المسيح لمكانتنا بتدبير الفداء، ونذكر من تلك الآيات ما يلي:

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً. (1كو 7: 1) وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ. وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجَةُ فَتَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ تُرْضِي رَجُلَهَا. (1كو 7: 33- 34) إِذًا مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ. (1كو 7: 38)

وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ فَلْيَتَزَوَّجُوا لأَنَّ التَّزَوُّجَ أَصْلَحُ مِنَ التَّحَرُّقِ. (1كو 7: 9)   لاَ يَسْلِبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ إِلَى حِينٍ لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ. (1كو 7: 5)

إن تلك الأيات تربك الكثير من المستنيرين وأولاد الله الحقيقين، وكل جهود الشراح والمفسرين المستنيرين تركزت على فهم الملابسات والظروف التي قيلت فيها تلك الآيات من ضيق واضطهاد وأسئلة لا نعرفها قد طُرحت على بولس، ومحاولة الوصول لنتيجة أن كل تلك الأيات قيلت في ظروف خاصة ولا يمكن تطبيقها بصورة عامة.

كلها محاولات أمينة، لكنها معقدة ومبهمة وغير مؤكدة. وما غاب عن كثيرين هو تمييز المرحلة التي يخاطبها بولس، والتي كان في كلامه محصورًا فيها؛ وهي مرحلة الطفولة الروحية.

فبعد أن قدم بولس الرسالة، وقبل أن يتكلم، وضح أساسًا لرسالته كالتالي:

  وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ (1كو 3: 1-2)

وبعد  أن سرد رؤيته نحو أمور حياتهم وتفاصيلها، والتي كما أوضحنا، نرتبك أمامها ونشعر أنها ضد فكر الله، تكلم في النهاية القديس بولس قائلاً:

وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ (أي المسيح) فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ. لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ. (1كو 13: 10- 11)

مما سبق يتضح جيدًا، أن القديس بولس الرسول كان يعرف تمامًا ما يقول، وقد راعى وبشدة أن يبدأ كلامه وينهيه بهذه الأيات. وكأنه يفتح قوسين كبيرين، ثم يكتب رسالته كلها بينهما، يكلم فيها الأطفال في المسيح، الأطفال فقط، حديثي الايمان، الذين ولِدوا من الروح، ولكنهم مازالوا في مرحلة الطفولة، كجسديين.. حيث مازالت الذات تتحرك بحرية، والمسيح المولود داخل مزودهم الصغير ما زال طفلاً، والضعف والشهوة ما زالتا أكثر قوة من المحبة والبذل.

تخيل طفلاً ينطبق عليه كل سمات الطفولة التي ذكرناها سابقًا (جسدانية الطفولة، محدودية الشركة مع الله، الارتباك والحيرة وسط الضيقات، محدودية سماع صوت الله، وجود قيود وعادات) إنه شخص غير مؤهل للارتباط بالطريقة التي يريد بها الله للإنسان أن يفرح ويحيا الشركة والحب.

لذا، كثير جدًا من المبادئ والأفكار الموجودة في هذه الرسالة، مكتوبة فقط للمؤمنين الصغار، وتتعارض في جوهرها مع عمق المسيحية الكاملة، التي تخاطب الإنسان الروحي، لا الجسدي، وتهدف إلى أن تراه في ملء قامة المسيح.

من هذا المنطلق، بدأ بولس يكتب رسالته، وهو مقيد بالمرحلة التي هم فيها، لا يستطيع أن يعطيهم الطعام الروحي القوي، المملوء محبة وبذل وتحليق في سماء الروحيات، بل اللبن الذي يتركز دوره في أن ينمو ذلك المولود الجديد، ويقوى. حينئذ يُبطل ما للطفل من ضعف ويفنى إنسانه العتيق الذي مات بالصليب، وتنتهي هذه المرحلة حين يجيء الكامل (أي المسيح) كما أشار في آخر رسالته (1كو 13: 10- 11)

من هنا، تتضح غوامض تلك الرسالة، وتكتسب كل كلمة في الرسالة معنًى عميقًا وجديدًا، فالأصح هو عدم الزواج إن كان الإنسان غير ناضج روحيًا، لأنه لن يستطيع أن يدخل لملء العلاقة التي أرادها المسيح بين الزوجين، والتي تحتاج محبة لم يكتمل نضجها بعد في الطفولة، ولن يستطيع الطرفين أن يختبرا البذل والمحبة؛ إذ لا زال الأخذ والشهوة لهما المساحة الأكبر من العطاء والمحبة.

وبناء على هذا فضّل بولس أن يلبثا غير متزوجين. وتكلم أنه لو لم يستطع الشخص الانتظار، يجب أن يعي أنه مازال غير ناضح ويحتاج أن ينمو في المحبة وتموت الأنا أكثر، لذا نصح أن يتفق الزوجان أن يبتعدا عن العلاقة الزوجية التي بها جسدية الطفولة أكثر من نضج المحبة، ليتفرغا للصوم والصلاة (1كو 7: 5)، فينموان معًا، ثم يجتمعا ثانية، لكي تقوى محبتهما بالتغذية في الصلاة والصوم، ويمتنع الغذاء عن الجسد الذي ما زال لا يقوى أن تكون العلاقة الزوجية مجالاً لعمل الروح ومتسع أعماله نظرًا لطفولتهما.

ومن هنا جاء المبدأ “ إِذًا مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ. ” فهو بالحقيقة يناسب كل حديث للإيمان يحتاج أن ينضج قبل أن يتزوج، والا أصبح الزواج “هم” وتعب كما أشار بولس أيضًا؛ حيث أن الإنسان الحديث الإيمان يكون الزواج عليه حملاً، لا تستطيع طفولته أن تحتمله.

يتفق ذلك تمامًا مع كلامه أن الزواج لحديثي الايمان، أي الاطفال الروحين، أحسن من أن يتحرقا، وهو فكر إن أخذناه كمبدأ عام، سنجده يظهر الزواج وكأنه مكان نفرغ فيه نار الشهوة، وهو ما يتنافى مع قدسية السر ورؤية الله له من سفر التكوين. بينما في الطفولة، قد يكون هذا واقع كثير من حديثي الايمان الغير قادرين على ضبط أنفسهم، فيكون الزواج أفضل أن كانا لا يستطيعان أن يضبطا أنفسهما.

ثم اختتم رسالته بكلامه عن المحبة، غذاء المولود داخلهم، لكي ينمو ويُبطل ما للطفل. فيا ليتنا نفهم فكر الله وعمق غنى نعمته وكلمته، التي من شأن كنوزها وأعماقها أن تبهج قلب الصغير والكبير في الإيمان، حين يتعرفون على هذا الإله المحب، المتفهم لكل مرحلة من مراحل حياتنا.

Romany Joseph
23rd November 2014

لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا


 

[1] بدأ الله يعمل على إعادة خلقة الإنسان ولكن على الأساس الذي لا يمكن أن يخطيء فيه الإنسان للموت، أو يعصاه أو يموت أو يفترق عنه، فهذه المرة صمم أن يخلقه، لا على صورته كشبهه فقط، بل من روحه ومن جسد ابنه بحال قيامته من بين الاموات خلقه.

(الأب متى المسكين – كتاب الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي –الجزء الأول – ص 10)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to من الميلاد الثاني لقامة ملء المسيح | 59 | سمات الطفولة | غير مؤهل للزواج بحسب فكر الله

  1. Mariam Malak says:

    Reblogged this on The SunShine Light's Blog and commented:
    So Deep !

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s