عام جديد مع الله.. اجعله عام الحسم لحياتك

new year with God

تخيل أن هناك شخص يزور صديق له في منزلة الجديد لأول مرة، وبينما هو في الطريق ضل وتاه، ماذا سيفعل؟ المنطقي أنه سيبذل كل الجهد لكي يجد منزل صديقه.. سيلاحظ اللافتات، سوف يسأل الناس، وسيتصل بصديقه، وحين يعرف جديد سوف يتأكد أن ما قيل له هو الطريق الصحيح، ولن يتحرك إلا حين يتأكد، وسوف يغير اتجاهه لو كان طريقه خاطئ، سوف يتحرك بصرامة وحماس، وسط كل هذا، وحتى يتضح الطريق المنشود، سيكون في حالة ضيق شديد، رغم معرفته أن الموضوع مسألة وقت ليس بطويل حتى يجد إرشاد من شخص أو لافته.

لماذا؟ لماذا نبذل كل جهد حين نضل الطريق؟ السبب بسيط، أننا حين خرجنا من بيوتنا أو أعمالنا متوجهين إلى مكان ما، كان الهدف الواضح هو الوصول لذلك المكان، وغالبا يجب أن يحدث ذلك في وقت معين لأننا مرتبطين بموعد، لذا حين نتوه نبذل كل جهد لكي نجد الطريق، ونتحرى الدقة في السؤال، والجدية في الحركة، ونكون في حالة ضيق حتى يتضح الأمر.

والآن تخيل لو أن نفس الشخص ذاهب في طريقه لمنزل الصديق، وفي الطريق حين اتصلت زوجته به تلفونياً وسألته اين أنت الآن، وقال لها انه ذاهب لزيارة منزل صديقه الجديد، وحين استسفرت علي الطريق فوجئت به يقول إجابات تدل علي أنه تائه (مش عارف – بقالي مدة متلخبط ومش مميز – أنا ماشي بس مش فاهم إيه اللي بيحصل – بصراحة ما باقتش عارف أنا فين – حاسس أني تاية شويه – أنا مش عارف أنا فين لكن أن شاء الله الدنيا تكون كويسة وهاوصل).

هل من الممكن أن يكون هذا حال شخص وانطباعه نحو الطريق لصديقة، بينما هو يكمل قيادة السيارة في سلام، ويقول مثل تلك الكلمات؟ سوف نقول عليه بكل بساطة أنه غير طبيعي؟ كيف يسكت ويكمل مسير وهو بتلك الحالة، كيف لم يسأل من نفسه ولكن حين سألناه قال تلك الإجابات الضبابية التي لا يمكن السكوت عليها.

والسؤال الصعب والمؤلم، لماذا لنكون في مسيرتنا مع الله تائهين ولا مشكلة مع ذلك؟ لماذا حين يكون هناك عدم وضوح في الطريق مع الله لا نتضرر كثيرًا، ولا نبذل جهد لمعرفة الطريق، ونترك الحياة تسير بلا مبالاة، وحين يسألنا أحد أين انت من الله وكيف حال المسير، تجد الإجابات الضبابية تخرج مننا مثل السائق الثاني، ونكرر؟ المشكلة ان تلك الإجابات تخرج بينما نحن نكمل الرحلة في سلام!!!

لذا، فبالحقيقة حين يكون هذا ما بداخلنا نحو مسيرتنا مع الله والطريق معه، فنحن في مشكلة كبيرة، نحن في توهان ولا ندري أو لا نعترف، لماذا؟ ربما من اليأس من خبرات سابقة مؤلمة؟

إن الإجابة بحسم تحمل معها مسؤولية وجدية، فنحن حين نعرف موقعنا من الطريق السليم أصبح دورنا أن نترك طريق خاطئ ونرجع للطريق السليم، أو لو كنا بالفعل في الطريق الصحيح، سنجد أنه من اللازم أن نكمل المسيرة فيه.

نقطتين يجب حسمهم قبل بداية هذا العام إن كنت تريد عامًا مختلفًا

هل تعرف الله بحق؟

أول سؤال نحتاج أن نحسمه معًا في بداية العام الجديد؟ هو سؤال بسيط لكنه صعب، وله صيغ كثيرة لكن جوهره واحد.. السؤال هو: هل تعرف الله؟ او هل أنت مؤمن؟ هل لك علاقة شخصية مع الله؟ هل أنت في المسيح؟ هل نلت الميلاد الثاني؟

إنه سؤال مهم.. ويجب حسمه، لا يمكن أن تكون إجابتك ضبابية، معني ذلك أن هناك مشكلة، معني ذلك أنك من المستحيل أن تتحرك بطريقة صحيحة حتى تعرف أين أنت؟

“أين أنت”؟ هو أول سؤال سأله الرب للإنسان حين سقط في جنة عدن، “أين أنت؟” تحتاج أن تحسمه بصدق ودقة وعمق، ويجب أن تكون الإجابة صحيحة، وألا ستكون هناك كارثة.

تخيل أنك تمشي في طريق خاطئ بثقة عمياء وقناعة تامة أنه طريق سليم بينما هو ليس كذلك، لكن أنت لا يساورك أدني شك فيه، ربما أنت مخدوع بسبب وصف خاطئ لمعالم الطريق، ربما بسبب أراء آخرين، أو ربما لأنك تخدع نفسك، تتوهم العلامات والإشارات على الطريق، وتتحرك بفرح في طريق تبدوا مستقيمة وعاقبتها طرق موت[1]. ربما تستمد ثقتك في صحة الطريق من بعض المبادئ الخاطئة، أو من سلوك الأغلبية وسياسة القطيع، وفي كل الأحوال، في طريق خاطئ يضيع الوقت والجهد في سراب، وكلما مشي الإنسان فيه خطوات أكثر وقضي وقت أطول، يصعب عليه مراجعة نفسه، ومواجهة حقيقة أنه ربما يكون ذلك الطريق غير سليم.

وعلى النقيض، تخيل نفسك تمشي في الطريق الصحيح، لكنك تشك فيه كونه خاطئ، وتبدأ الشكوك تقتل نفسك، هل هذا هو الطريق الصحيح؟ اليس من الوارد أن أكون اسلك في طريق خطأ؟ وتلتمس العلامات في الطريق، تفرح حين تجد علامة سليمة اخبروك عليها، وترتبك حين تتأخر علامة اخري، تطمئن حين تسير في جزء ممهد وسلس، ويصيبك الهلع حين تقع بسبب أجزاء وعرة في الطريق، وفي شكوكك تفقد الكثير من الوقت والجهد.

وكنتيجة طبيعة للشكوك، تتحرك لتسأل الناس؟ ويجيبك كل واحد بشكل غير الآخر، وفي الغالب يزيدوا شكوكك بدلاً من أن يزيلوها، والشك أمر مؤلم بحق، فبسبب الشكوك، تتقلقل خطوات الإنسان في المسيرة، فالكتاب المقدس يعلمنا أن رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه[2]، فما من نار اسواء من نار الشك، وما من راحة مثل اليقين، يضيع الوقت والجهد، يفقد الإنسان السلام والفرح والمسيرة السليمة الهادئة.

إن من أهم الأسئلة التي نحتاج إلى إجابة حاسمة هو هل أنت تعرف الله بحق أم لم تعرفه بعد؟ هل أنت مؤمن أم لا؟ توجد خمس عشر مقالة مكتوبة تساعدك علي إجابة هذا السؤال بطريقة سليمة وكتابية .. المقالة الأولي منهم هنا ويمكن متابعة بقية المقالات المتتالية لها.

اجلس واهدا وأعرف أين انت، هل بدأت علاقة مع الله أم لا؟ لو كانت الإجابة لا، تحتاج أن تتحرك وترجع للرب ولطريقه، ولو كانت الإجابة نعم… نحتاج أن ننتقل للسؤال الثاني.

هل أنت طفل أم علي أعتاب النضوج؟

لو كنت مؤمن حقيقي تحيا في المسيح، وبالحقيقية مولود من الله، يأتي السؤال الثاني؟ هل أنت ما زلت طفل؟ ام أنك علي اعتبا النضوج ونهاية الطفولة؟ تحتاج أن تجيب ذلك السؤال بحسم شديد، بنعم أو لا المبنية علي الحق الهادي والوعي لا الانفعال.

نحن نبدأ مع الله بداية طفولية؟ وهذ منطقي ومقبول. والطفولة وقت مفرح ومبهج، لكن سياتي وقت تنتهي فيه الطفولة ويكون هناك فرح مختلف بالنضج، لكننا حين كبرنا بالجسد، كثيرًا لا نعرف التغيرات التي تحدق لنا حين نكون على اعتاب النضوج لان احدًا لم يعلمنا، وكذلك في الحياة الروحية، نحتاج أن نجيب بصراحة ونعرف بحق؟ هل انا طفل مدلل لله وأحيا طفولتي؟ ام ان وقت الانتقال من الطفولة للرجولة قد اتي وأنا لا اميز؟

لو كنت افرح بالطفولة ومنطلق مع الله الانطلاق الطفولي المبني على المشاعر ولا توجد مشكلة، في الغالب انا احيا طفولة هادئة، حين يدخل أبي البيت ويحمل الحلوى لي اتهلل فرحا، قلبي ينبض حين يحتضني، علاقتي معه محدودة لكنها كافية لمرحلتي، لا أدرى كيف يتم إدارة البيت، ولا تفاصيل عمل أبي وافكاره العميقة، ولا كيف تكون الحياة وابعادها، أنا طفل له محدودية أتلقي الحب والرعاية من ابي حتى أنمو وأكون صورته تدريجيا، هذا هو وصف حالة الطفولة، صغير، مدلل، يتعلم، ينمو، محدود، طعامه الأساسي هو اللبن (العظات – القراءة الكتابية البسيطة – الكتب الروحية – الاجتماعات – الصلوات).

أما لو كنت على اعتاب الرجولة، فان حلوي يحضرها لي ابي لن تفرحني كما الطفل، وليس من المنطقي ان يتجاوب معي لو كنت طلبت منه ان يحملني ويدللني، وهنا في حالة عدم الفهم وغياب التمييز انا لا أدرك أني أكبر وأني على وشك ترك الطفولة، لن يكون اللبن الغذاء الذي يشبعني، فقد آتي وقت الطاعم القوي للبالغين، اللبن جميل لكنه لن يكون الأساس، فطعام البالغين هو أن افعل مشيئة الذي ارسلني كما قال المسيح عن طعامه، وعلي عكس الطفولة، لن يفرحني كثيرا معجزاته نحوي ومفاجئاته الجميلة لي، بل سيفرحني الشركة العميقة معه والكلام والالتصاق، لن تكون الأمور البسيطة مفرحة بل مع النمو تصبح اعتيادية (عبور الشارع – شراء بعض المتطلبات – لبس الملابس بمفردي – الأكل بمفردي)، لأنه سيكون هناك الجديد الأكثر نضجًا والأكثر أهمية وقوة وتشويق، موجود في انتظاري لكي افعله (تصليح أمور في البيت – مساعدة الأب في عمل ما – حمل مسؤولية البيت معه)، سيكون الأمر مربك نفس ارباك المراهقة الجسدية، سوف لا نفهم أولا ونظن ان هناك أمر خاطئ، سنشتاق للبن الطفولة لكنه لن في نفس الوقت لن يشبع مثل الأول.

لقد كبرت وفهمت حالة البيت وعرفت ما هو عمل ابي، وجاء وقت النزول للكرم والاجتهاد في الحقل، جاء وقت الحوار الناضج مع الاب وليست الكلمات المحدودة، جاء وقت نهاية الاستقبال المفرح وبداية العطاء الأكثر فرحًا، جاء وقت ان تشبه ابيك، وتكون على صوة اخيك البك يسوع، جاء وقت شفاءك من جراح وانطلاق مواهبك ووزناتك بهدوء وبلا غرور أو كبرياء، وبلا خوف أو صغر نفس.

إن سمات الطفولة وحالها مكتوب بالتفصيل في المقالات التالية هنا، إن اردت منها مساعدة لكي تجيب.

اجعل العام الجديد عام الحسم لحياتك الشخصية، لنقف ضد الجزء المتصالح مع التيهان والضبابية في العلاقة مع الله، وليكون عامًا واضحًا فيه أين أنا، وإلى أين أنا ذاهب، اطلب الإجابة الواضحة بكل قلبك وستعرف كيف تجدها، لكي يصبح عامًا مختلفاً، جديدًا وليس مكررًا كما سبق.

نصيحتي عن تجربة: لا تلتف للحالمين المنادين بتغير الظروف من الخارج في بداية كل عام جديد، كل سنة يقولون لنا عام الحسم وعام البركة وعام الخير وعام التعويضات، بينما يثبت الواقع أنه يكون أسواء من الذي قبله، والسر أنهم يقولون علانية أو بتلميح أن الحل والتغيير سيأتي من الخارج، بينما الله يريد أن يغير الداخل، لأنه يعلم أن الخارج وُضع في الشرير[3] وتغيره ليس هو القضية، القضية هي الإنسان وأعماقه.

أطلب أن تكون أنت المختلف في عام مختلف، أن يكون التغيير فيك أنت، أنت تكون إنسان سليم سوي، إنسان كامل[4]، هذه هي مشيئة الله، ملكوته داخلنا وليس حولنا[5]، فلو تغير الكون كله حولك ليصبح جنة وأنت داخلك جحيم[6]، فلن تفرح وسيزيد اكتئابك، بينما لو كان داخلك مشرق ومنير ومزدهر كالجنة، وما حولك كالجحيم، ستغلبه وتحوله لجنة مثلما أنت.

ملحوظة: لم أسأل هل انت ناضج أم لا.. لان الناضج يعرف!

Romany Joseph
29th December 2014

 

[1]  (ام 14 : 12)

[2]  رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. (يعقوب 1: 8)

[3]  نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ. (1يو 5: 17)

[4]  إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ (اف 4: 13)

[5]  وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟» أَجَابَهُمْ: «لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ». (لو 17: 20 – 21)

[6]  لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟ (مت 16: 26)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to عام جديد مع الله.. اجعله عام الحسم لحياتك

  1. fr.boktor makar says:

    جميل       ليت الله يعيننا لكى نغير طريقنا اليه ويملأ قلوبنا من نعمته

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s