أولمبياد التنافس والصراع.. وفشل اكبر ابطالها في الحياة

Learn-From-Your-Competitors

التنافس.. الصراع.. الأفضلية عن الآخرين

تلك الكلمات لم يكن من المفترض أن تكون في قاموس الانسان، وقد ادخلها هو بسبب روح المقارنة البغيضة جداً جداً، حيث رغبة كل شخص أو مجموعة أن تكون الأفضل من الآخرين، ولذة الإنسان في سحق الآخرين سحقاً لكي يشعر بقيمة ذاته التائهة. تلك هي الروح المسيطرة على الإنسان.. والمهيمنة على سلوكه بلا منازع.

وكنتيجة تلك الروح البغيضة.. جاءت كل صعوبات الحياة، فمن أول الطفولة وأنت في حالة مقارنة دائمة مع الأطفال الاخرين، في الدراسة هناك منافسة ومقارنة.. في العمل.. في كل شيء، من الأفضل؟ من الأذكى؟ من الأقوى؟ من الأجمل؟ من الأبرع؟ من الأسرع؟

الكل في سباق محموم مريض.. ليثبت أن ذاته أفضل من الأخرين.. بدلاً من أن يكتشف ويعرف حقيقة نفسه ومن هو! الكل في سباق حيث المعيار للنجاح هو المسافة بيني وبين الآخر.. وفي تلك المسافة أري قيمة نفسي، حيث يكون تعريف نفسي بالمقارنة بيني وبين الآخرين: أنا أفضل في كذا.. أو أقل في كذا.. هذا هو أنا وكيف أقوم بوصفها وتعريفها.

النجاح هنا لا يعتمد فقط على قدرتي أو على ما أحتاجه، بل على قدرة الآخرين الموجودة خارج حدود سيطرتي وما يريدونه والذي ربما لا أحتاجه، فيصبح تحقيق النجاح يعتمد على تنمية قدراتي لتكون أعلي من الأخرين، وربما تعطيل الآخرين! ويصبح الهدف ليس تحقيق أمر أحتاجه بل التفوق على الآخرين، نعم ربما تكون محتاج لتحقيق أمر ما بطريقة معينة، لكن روح التنافس تجعلك تريد تحقيق ثلاثة أو أربع أضعاف ما تحتاجه بحق، لمجرد فكرة الرغبة في التفوق على الآخرين، بل ولعلنا نصبح مثل الصورة الموجودة اعلاه، نتسلق سلم لمجرد أن نصل أعلي من الأخرين وقبلهم، نصل لأين؟ لا يهم.. المهم التفوق عليهم! 

وحتى الرياضة، أصبحت تعبر عن حالنا وتعكس حياتنا…

فصارت المحافل الرياضية كلها قائمة على تلك الروح الكريهة.. مكان للتنافس والصراع والسحق، متنافسون كثيرون، وفائز واحد فقط، وعملية تطييب خاطر لأفضل اثنين خاسرين، للأسف لا ترضي ذواتهم الجريحة! وحتى المنتصر المسكين.. أصبح مهموماً بمهمة شاقة، وهي الحفاظ على إنجازه، والخوف من فقد مكانته في المنافسة القادمة.

والعجب.. ان لا أحد يري في هذا مشكله.. الكل فرحان ومنسجم مع تلك الروح، يؤيدها ويشجعها ويحتفل بها!

لكن.. لم العجب.. انها روح حياة الكل… كل يوم.. منافسة.. صراع.. سحق.. تنافس، فما نفعله في الرياضة يعكس الرغبة الفردية الشديدة الموجودة داخلنا كأفراد في تحقيق ذواتنا والترقي والنجاح والارتفاع فوق الآخرين وسحقهم، ربما في العمل، أو الشهرة، أو في موهبة ما، أو في أي مجال من مجالات الحياة، روح التنافس قائمة وتسيطر على الإنسان، وحين تتملك كيانه، تدريجياً يصبح مستعبد لها، مستعبد للخوف من الفشل، ومستعبد لنشوة روعة التفوق على الآخرين، ونفسه تتمزق بين تطرفي الخوف من فقدان الحلم والرغبة في تحقيقه.

وحينها يتحرك الإنسان مقيداً لا يري شيء في الكون إلا تحقيق التفوق على الآخرين، وربما يكون مستعد لفعل كل الوسائل الشريفة وربما الغير شريفة للوصول لذلك، لا يهم.. المهم.. التفوق على الآخرين حتى لو لم أكن احتاجه أو عن كان غير ضروري لحياتي.

إن أكبر بطل اوليمبي على مدار التاريخ بلا منازع، مايكل فيلبس[1] بعد فوزه بأكبر عدد ميداليات في التاريخ، سحق فيها كل منافسيه، وتربع على العروش كأعظم ساحق للمنافسين، أصيب باكتئاب، وفكر جدياً في الانتحار[2]، وتم القبض عليه بتهمة القيادة مخمورًا.

قهر كل المنافسين، تفوق علي الكل، حفر اسمه في ذاكرة التاريخ، كان التفوق علي الآخرين يعطي قيمة، لكان أسعد إنسان في الدنيا بلا منافس وسط كل تلك الإنجازات، لكن الحقيقية أنه لم يجد نفسه، ولم يعرفها، ولم يكتشف من هو وسط كل هذا.

السلوك التنافسي في الأصل هو ضد طبيعة الإنسان وعكس تكوينها، لذ هو مرهق ومتعب ومستنزف للقوي، ان الله لم يخلقنا في الأصل لنتنافس بل لنتكامل، لقد خلق الله لكل منا مسار وخطة واحلام ومواهب لا تعارض ولا تضارب مع الآخر فيها، بل هي تنسجم وتتكامل بطريقة مبهرة، كمجموعة عازفين موهوبين ليعزفوا لحنا فريداً، يتكاملون فيه معا في هدوء وانسجام وتوافق بديع يفرح القلب ويشبع النفس ويعطي قيمة.

لكننا قررنا أن يركز كل واحد على الألة الموسيقية التي يعزفها ويحاول أن يعزف لحناً أعلي وأحسن من الآخرين، فقام الكل بالعزف بمفرده، وربما حاول البعض تحطيم آلة أخيه، وآخر أكثر دهاء قطع الكهرباء عن آلة أخ اخر، وانقسم الناس لمشجعين ومتحزبين لكل واحد لعل صوته يعلو ويسحق الآخرين، وكانت النتيجة النهائية ضوضاء مقيتة وجو مشحون، وبدلاً من أن تكون القاعة مكان هادئ، صارت جحيمًا، فقد العازفين متعة آدائهم معا، والأكثر إيلاماً، أن هؤلاء المشجعين والمتعصبين لو سمعوا اللحن المبدع، لاكتشفوا أنهم أيضاً عازفين، ولصار اللحن أكثر روعة! ولكن كذلك العالم حولنا، صراع تنافسي تتوه فيه كل روعة وجمال.

وحين يفتح الله اعيننا وتنكشف تلك الحقيقة، تتوقف الأحلام التنافسية ونراها سراب، وتخرج للنور أحلام اخري، أحلام لا نشاهدها كمتفرجين ولا نتمناها ونحن بعيدين، بل احلاماً تخرج من أعماقنا ونصنعها بما فينا من مواهب وعطايا. أحلام تشبعنا لأنها بحسب تصميمينا ومغروسة في كياننا، وهي ترادف رسالتنا التي يعطيها لنا الله، ورسالتنا التي خلقنا الله لها لا يوجد بها تنافس لأنها ببساطة لا يستطيع شخص أن يفعلها في الكون سوانا، فلم يكن صدفة ان تكون بصمة الأصابع لا تتكرر في البشرية كلها، لكي يعطي لنا الله رسالة أن دوري لن يتكرر ولا يوجد مثله.

وفي أجواء الهدوء والسكينة، يتحقق الحلم الفريد ببساطة ويسر، ويتبدل الصراع التنافسي العنيف لاكتشاف شخصي هادئ، ويكتشف كل منا دوره، الدور المتفرد الذي لا يحتاج لتنافس لأنه لن يفعله أحد سوك. وحينها سيفرح قلبي أن أكون مثمراُ وتهدأ نفسي في أن أكون مقلدًا متنافسًا، وأعلم أنني نافع لغيري وذو قيمة متفردة، وأدرك قيمتي لا من منظور التنافس والمقارنة ولا من منظور الأنانية والتوهم، بل من منظور الحقيقة الكائنة داخلي، حينها سأشبع وأشبع غيري، فالمروي هو أيضاً يُروي.

لقد جاء المسيح في عالم مشوه ومتنافس لأجل إعادة تشكيل الحياة بتلك الصورة البديعة وتلك الروح المختلفة، فقام بإزالة كل تشوه في كل من يطلبوه ويقبلوه، وراح يعيد تشكيل كيانهم ويبث الحياة الحقيقية والمعني في نفوسهم، وينمي وعيهم وادركهم ليكون الجميع واحد يكملون بعضاً في وحدة وتناغم وتفرد تنبع من عمله ومن حضوره فيهم، وبدونه وبدون عمله يبقي الإنسان رغماً عن أنفه مستعبدا من دائرة التنافس واعمي عن رسالته وتفرده ومتغرب عن الحياة الحقيقية المدفونة فيه.

العالم مملوء بسباقات التنافس، وكل ما حولنا يصرخ به، فهل نفيق ونحيا إنسانيتنا ولا يحيا العالم فينا، هل نقبل عمل المسيح الي هو الطريق الوحيد لتلك الحياة؟ لكي على مستوانا الفردي نكتشف دورنا وإنسانيتنا، ثم ننمو سوياً في دور متفرد متميز وسط العالم؟

Romany Joseph
15th August 2016

——————————————————

 [1]   https://en.wikipedia.org/wiki/Michael_Phelps

[2] http://www.nbcolympics.com/video/michael-phelps-chats-bob-costas-extended-interview

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s